الخميس - 20 يونيو 2024
منذ سنة واحدة
الخميس - 20 يونيو 2024


رياض البغدادي ||

من طبيعة الإنسان أنه يجوع، وإذا جاع، قطعاً سيسعى الى ما يُشبع به جوعه … وفي الأحوال التي يكون فيها جوعه شديداً، يصبح كل ما يؤكل هو طيِّب و مستساغ، وقد يصبح حتى أكل المحرمات في الاضطرار الشديد، كأنه العسل في مذاقه ..
ولا يخفى أن مِنْ صفة الجائع أنه يصبح لا يفرّق بين جيد الطعام ورديئه، وهذه النقطة بالذات التي ستكون دائرة تحرك العدو، ومحل تجربة اسلحته القاتلة الفتّاكة، فالعدو سيستغل جوع الإنسان أبشع استغلال، فقد يكبّله بدَيْنٍ ثقيل او حتى قتْله بسمٍّ زعاف…
الذي أريد قوله، أن الروح كذلك تمر بفترات جوع، بسبب ظروف الحياة التي تنهك الروح وتدخلها في التعب الشديد والجوع الأليم، وعندما تشعر الروح بالجوع، تتقبل كل ما يسد رمقها، ولا عبرة بجيد الطعام ورديئه، وقد نقدم للروح من طعام، يكون قاتلاً لها، أو مسبباً لمرضها وهزالها ومن ثم موتها والعياذ بالله ..
جوع الإنسان هيِّن، فهو جوع مادي يشبعه الخبز واللحم، بل حتى قشور البطاطا، وربما ليف الذرة كفيلٌ بالإشباع .. لكن جوع الروح جوع معنوي، قد تشبعه الموسيقى والاستماع الى الغناء، وقد تسده المناجاة بين يدي الله ..
ففي حالات جوع الروح، ستكون حتماً في أضعف أحوالها، فعند ساعات جوعها لا تنفر من أي شيءٍ يقدم لها، حتى لو كان ( صمون عشرة بألف )، هذه الأغنية الهابطة، تجد المستمعين لها يطرَبون وكأنها سيمفونية بيتهوفن، أو أنغام موزارت ..
ليس مهم كثيراً ما يقدم للروح أثناء جوعها، فكل شيء ستتقبله وتنسجم معه.. وهنا النقطة المهمة وبيت القصيد بل أساس ما أود قوله، فمازالت الروح تتقبل كل ما يشبع جوعها، وتنسجم معه فليكن ما نقدمه من طعام لها طعاماً هنيئاً، لا يقتلها ولا يُمرضها..
لكن عادة الانسان أنه في حال الحاجة الشديدة، يبحث في اسهل طرق الوصول الى مبتغاه، ولا يكلّف نفسه البحث والتمحيص، فهو في اضطرار و ( صاحب الحاجة أعمى) كما يعبّرون، فما كان في متناول يده، ولا يكلفه عناء البحث، سيلتهمه ويشرب بعده كأس ماء، وهو في اجمل حالات النشوة والاسترخاء ..
من هنا استغل العدو هذه المعادلة أبشع استغلال، فوفَّرَ للروح كل السموم القاتلة وبكل انواعها وأشكالها وألوانها، فكما هو معلوم، أن التجارة المستندة الى الإدارة الناجحة والخبرة المتراكمة، والعرض الأنيق، والتسويق السلس، كلها أسباب الاستحواذ على العملاء والمشترين، فيكون الغناء والطرب والابتذال والميوعة والهوى بكل فروعة متاح وسلس ومعروض بشكل انيق يجذب الجائع بكل سهولة ويسر …
لذلك نجد ان هذا النوع من الغذاء الروحي له مريدون اكثر، ليس لأنه الغذاء الأفضل، بل لأن صاحب هذه التجارة كان ذكياً في عرض تجارته، وسلِساً في تقديم ما يرغب به المشتري …
هنا اتوقف عند كلمة ( مريدين ) فلابد ان نشرحها لأنها بالحقيقة تعطي معنى غير المعنى الذي اريد قوله، فالمريد هنا ليس مريداً بالمعنى الخاص بل اقصد به المريد بالمعنى العام، والمريد بالمعنى العام لم تكن له رغبة بعينها، وانما رغبته هو إشباع جوعه، فيسعى الى ذلك، فإذا كان المعروض الأنيق السلس الرخيص المتاح كلمات طيبة فسيكون ممتناً لمن قدمها له ليسد بها جوعه ولو كان المعروض الأنيق السلس الرخيص المتاح ابتذالًا وميوعةً، أيضاً سيكون ممتناً لمن قدمها وشاكراً له الشكر الجزيل …
ترى !!؟
هل قدّم المصلحون بضاعتهم لجياع الروح بالشكل الذي يجذبهم ؟
هذه هي المسؤولية الحقيقية التي نتحملها، فبضاعة المصلحين جاهزة ومخزنة، وليس عليهم عناء انتاجها، فقط تحتاج مَنْ يعرضها العرض المناسب الذي يجذب الآخرين لإقتنائها، وكذلك بضاعة الشيطان، فهي جاهزة وتم انتاجها وتخزينها، وما مسؤولية اهل الهوى الا عرضها العرض الأنيق السلس، مع خدمة التوصيل..
و ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) …
من هنا نفهم فلسفة وجوب إقامة الحكومة الإسلامية، التي من أعظم وأهم واجباتها هو منع تجار الهوى من عرض تجارتهم، والتضييق عليهم، مما يوفر للروح الجائعة المناخ الملائم لإشباع نفسها والتزود من المعروض الذي سيكون حتماً كله في دائرة الاختيار السليم ..
أما ما يروجه العلماء المترددون في وجوب إقامة الحكم الإسلامي، فهو تردد لا قيمة له، إن لم يكن في دائرة الإتهام، كونه فكرٌ متخاذلٌ مهزومٌ أمام تجار عرض الرذيلة والابتذال، عندما لا يسعون الى اقامة الحكومة الإسلامية، هم بالحقيقة لا يرفضون من أن يأخذ تجار الرذيلة والابتذال فرصتهم في الاستحواذ على تجارة سوق طعام الروح ،ويكتفون بعرض تجارتهم الروحية بين طيات الكتب والمساجد المهجورة (تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ ) ..


ــــــــــــــــ