الاثنين - 26 فيراير 2024

الحنين الى ماضي المكان و”الزمن الجميل”

منذ سنة واحدة
الاثنين - 26 فيراير 2024

علي عنبر السعدي ||

يواضب البعض على نشر صور لبغداد أو مدن عراقية أخرى تحت عنوان” الزمن الجميل” يضع في المدينة كل ماخلق الله من الجمال وكأنها قطعة من الجنّة .
هؤلاء يصورون شارع الرشيد وشارع السعدون وبضعة أماكن اخرى ،ويقدمونها كنموذج لما كانت عليه بغداد ، لكنهم يغمضون عينهم الأخرى عن الوجه الآخر لبغداد القديمة ،فلايصورون مناطق البؤس القريبة من تلك الأمكنة ،فلا الميزرة ولا الشاكرية بأكواخها الطينية البائسة وأطفالها الحفاة ،ولامساطر العمال ممن ينتظرون رزق يومهم ، ولا منظر شطيط الآسن والعربات التي تجرها البغال ولا باعة النفط ،وليس يذكرون أبو اسماعيل والانضباط العسكري الذين كانوا يسحقون ويهينون أكبر شارب ،كذلك لايذكرون الانقلابات الدموية وصراع الاحزاب والحرس القومي ورشاشات البورسعيد وهي تحول ليل بغداد الى جحيم ،ولا الاعتقالات واغتصاب الفتيات ،ولا الكثير من القبح .
هؤلاء يغيب عنهم تفاصيل بسيطة : كانت بغداد يومها لاتتجاوز المليون نسمة ، تحت حكم صارم ، ومع ذلك كانت عصابات السطو والقتل والشقاوات ، تسيطرعلى مناطق كاملة من بغداد وتجبر أهلها على دفع الخوّات .
ولم تكن هناك أية وسائل ترفيه للعراقيين سوى تلفزيون يفتح السادسة مساء ويغلق الثانية عشر ليلاً ،ودور سينما يذهب اليها الفقراء في الأعياد والمناسبات ،ليجلسوا في الصالة ومعهم لفة عمبة وصمون ،ومعظمهم نعاله مقطوع ودشداشته (يعضها الجلب ويعوص)وقد يعود مشياً على الأقدام لأنه لايجد عشرة فلوس اجرة الأمانة أم قاطين التي تزفر الدخان الاسود من مؤخرتها وتجر نفسها بالكاد مع زحمة الانفاس المختنقة وصياح الجابي (منو ماقطع ياولد) .
الجمال الحقيقي والوحيد لتلك الأيام ،ليست الأمكنة ولا الزمن الجميل كما يدعي هؤلاء ،بل هو “العمر الجميل” فهؤلاء الكتاب كانوا في ذلك الوقت في ذروة الشباب ، وفي هذا العمر نرى الأشياء بشكل مختلف عما هي عليه ،أما اليوم وبعد أن دخلوا مرحلة الشيخوخة ،فهم ينادمون عمرهم الذاهب ،لكنهم يواربون في منادمة الأمكنة ، التي لم تكن يوما كما يصورونها …


ــــــــــــــــ