الاثنين - 26 فيراير 2024

رجبٌ الأصبُّ قد أقبل، فأين الرجبيون؟!

منذ سنة واحدة
الاثنين - 26 فيراير 2024

إيمان عبد الرحمن الدشتي ||

تتجلى رحمة الباري (عز وجل) في أمور شتى، في إنسان، في مكان، أو في زمان وأشياء أخرى، ومن الأزمنة الرحمانية التي تتعاقب في كل عام حاملة الرحمة الإلهية، بل لها ميزة أن الله تعالى يصب رحمته فيها صباً على العباد هي “شهر رجب” ولذلك سمي برجب “الأصبّ” فهنيئاً لمن نال من فيوضات هذا الشهر المكرم.
تحتاج الأرواح البشرية إلى سياحة دينية، بحكم ما تلاقيه من متاعب الحياة وموجات الفتور التي تعقب حالات التقصير وأوجاع كبوات الهوى، هذه السياحة تخلق أجواء تجعل الروح تحلق في فضاء الصفاء والقرب الإلهي، وقد جعل الباري عز وجل أوقاتاً لتلك السياحة هي أزكى من غيرها، لها من القدسية والطهارة الروحية ما تجعل الإنسان في واحة التهذيب والرُّقي الإيماني،ومن تلك الأوقات “شهر رجب”
وردت أحاديث عدة عن النبي الأكرم وآله (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم) في فضل شهر رجب، وما يستحب للمؤمن العمل فيه من الممارسات والأذكار العبادية، منها ما عمَّت كلَّ أيام الشهر، ومنها ما خصَّت أوقاتاً منه، ومنها أيام ولادات أو إستشهاد بعض الأئمة كالباقر والهادي والجواد وأمير المؤمنين (سلام الله عليهم) ووفاة مولاتنا الحوراء زينب (عليها السلام) والليالي البيض والمبعث النبوي الشريف،
وما بين صيام مستحب أجره جزيل لا يحصى لكثرته، وصلوات يُدَّخر أجرها في أمتعة سفر الآخرة، وإستغفار يحط الأوزار عن الكاهل، وأدعية تستنزل نفحات من نورٍ، وأذكار تقدس الباري وتسبحه وتنزهه، وبين كل ذلك يرتع العبد المؤمن ببركات شهر رجب المرجب.
قال مولانا أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام: (رجبٌ نهرٌ في الجنة، أشد بياضاً من اللّبن وأحلى من العسل، من صام يوماً من رجب سقاه الله من ذلك النهر) فالعمل العبادي في هذا الشهر هو جوهره البرّاق، الربح الدنيوي المادي لأحدنا كم يسعده ويغير واقعه إلى رفاهية من العيش ودَّعة وسرور؟ إلا أن الربح المعنوي أعظم بركة وأبلغ سعادة للدنيا وللآخرة وعلينا أن لا نستهين بذلك، فأيام الله تمضي ولا نضمن أننا ندركها في القادم من السنوات.
كتب الأدعية ومنها مفاتيح الجنان وضياء الصالحين، ربما جميع بيوت المؤمنين لا تخلو منها، إضافة لوسائل التواصل الإلكترونية الملأى بأعمال الشهور، وبإمكان الجميع ان يدلو بدلوه ويغترف من بركات الشهر المكرم، وقد ورد عن أهل بيت العصمة صلوات الله وسلامه عليهم، أن أفضل الأعمال في هذا الشهر هي الصيام وزيارة سيد الشهداء عليه السلام والإستغفار.
توالي الأشهر المباركة رجب وشعبان ورمضان، يمكن عدّه دورة تدريبية لبناء الإنسان ومحتواه الفكري والإيماني، فالغرس يبدأ ب”شهر رجب” الذي ينسب لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام، وسقياه في “شهر شعبان المعظم” المنسوب للرسول الأمجدِ محمدٍ صلى الله عليه وآله، والحصاد في شهر الله وضيافته “شهر رمضان المبارك” وبالإنتقال التدريجي لمراحل هذه الدورة المباركة يكون المؤمن العامل قد قطع شوطاً كبيراً في مسير التكامل وبناء الذات والقرب الإلهي.
لا بُدَّ من التنويه هنا، إلى أن العبادة لا تقتصر على ما تقدم ذكره من الطاعات رغم أجرها الجزيل، فالأفضل من ذلك إذا ما إقترنت بالعمل الصالح والتفقه في الدين، والدعوة الخالصة لله ولوليه قائم آل محمد (عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه) فخدمته في هذه الأيام المباركة، ونشر قضيته العادلة بين الناس وتعبئتهم لخدمته ونصرته، والإستمرار على ذلك؛ لهو الفوز الأكبر والأجر الأجزل والغاية الأسمى،
“ومَنْ لا يُدركهُ كلّهُ لا يتركه جُلّه” فمن لم يدرك شهر رجب من أول يوم، عليه أن لا يتغافل عن ما بقي منه، فنفحات رحمة الباري (عز وجل) ما زالت تعطر النفوس التواقة للفوز برضاه.
قال مولانا الصادق (عليه السلام): “إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش أين الرجبيون؟ فيقوم أناس تضيء وجوههم لأهل الجمع، على رؤوسهم تيجان الملك مكللة بالدر والياقوت، مع كل واحد منهم ألف ملك عن يمينه وألف ملك عن يساره، يقولون هنيئا لك كرامة الله عز وجل يا عبد الله، فيأتي النداء من عند الله جل جلاله: عبادي وإمائي وعزتي وجلالي لأكرمن مثواكم ولأجزلن عطاءكم (عطاياكم) ولأوتينكم من الجنة غرفا تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين، إنكم تطوعتم بالصوم لي في شهر عظمت حرمته وأوجبت حقه، ملائكتي أدخلوا عبادي وإمائي الجنة”


ــــــــــــــــــــ