الاثنين - 26 فيراير 2024

خرافة أن المفيد هو مؤسس المذهب الشيعي

منذ سنة واحدة
الاثنين - 26 فيراير 2024


د.علي المؤمن ||

سألني عدد من المتابعين عن رأيي في قول بعض الباحثين بأن المذهب الشيعي تأسس على يد الشيخ المفيد.
أجيب: هناك فرق جوهري بين التدوين والتأسيس؛ فالمفيد والكليني والصدوق والمرتضى والطوسي، كان لهم الدور الريادي في حفظ روايات الشيعة وتدوين عقائد التشيع وقواعده الحديثية والفقهية، بناء على أحاديث الرسول والأئمة في التفسير والعقيدة والفقه والسنن، وليس بناء على آرائهم واجتهاداتهم؛ فهؤلاء العلماء لم يجتهدوا في الثوابت التأسيسية التي قررها القرآن وسنة الرسول وأهل بيته، بل اجتهدوا في الموضوعات الجديدة التي لم يكن فيها حكم سابق، كما دوّنوا الكتب الحديثية الأربعة التي نسميها مجازاً (صحاح الشيعة)، وهي “الكافي” و”التهذيب” و”الاستبصار” و”من لايحضره الفقيه”، وهي عبارة عن كتب حديث عن الرسول والأئمة.
أما ما دوّنه مرجع الشيعة الشيخ المفيد من كتب ورسائل في العقيدة والحديث والفقه وأصوله، تجاوزت المائتي رسالة وكتاب؛ فهي ليست اجتهاداته الشخصية، إلّا في الموضوعات التي ليس فيها حكم من القرآن والسنة، أو لاتتعارض معهما، بل أن ما دوّنه في العقيدة والفقه استند فيه الى مصدري التشريع: القرآن والسنة، وكذلك الى المدونات الحديثية والعقدية والفقهية الشيعية الكثيرة التي سبقته بأكثر من مائة عام، ولاسيما مدونات تلاميذ الإمام الصادق، كالمفضل وهشام وأبان، وكذلك الأصول الأربعمائة التي كتبها (400) محدث وراو ومدون، وكلها عن أئمة آل البيت. وكلهم سبقوا المفيد بعشرات السنين، بل أن أستاذيه الصدوق وابن الجنيد كتبا قبله عشرات الرسائل والكتب العقدية والفقهية، وهي التي تتلمذ المفيد عليها وعلى غيرها، وأخذ منها.
وبالتالي؛ فإن قواعد المذهب الشيعي، الذي يمثل مدرسة ال البيت، تأسست في عهد الرسول والأئمة بالتدريج، ولكن كان للامام جعفر الصادق الدور الأهم في إظهار هذه القواعد ونشرها على أوسع نطاق، بسبب الظرف السياسي المؤاتي حينها. كما أن تدوين السنة والحديث تبلور في عهده وبإشرافه، وذلك على يد تلامذته، ولذلك عرف مذهب آل البيت بالمذهب الجعفري، نسبة الى الإمام جعفر الصادق.
ربما تنطبق قاعدة تأسيس الفقهاء للفرق والمذاهب على غير مدرسة آل البيت، كالأشعرية والمعتزلية والسلفية والإباضية والظاهرية والمالكية والحنفية والشافعية والحنبلية وغيرها، باعتبارها فرق ومذاهب أسسها المتكلمون والفقهاء، بينما لاتنطبق هذه القاعدة على المذهب الشيعي إطلاقاً، لأنه تأسس في جانبه الحديثي والتفسيري والعقدي والفقهي، وجانبه الاجتماعي الديني، على يد أئمة آل البيت.
تجدر الإشارة الى أنني ذكرت في كتاب ” الاجتماع الديني الشيعي” الأدوار الريادية للعلماء الشيعة الثمانية، وهم: سفراء الإمام المهدي الأربعة، وخاصة السفير الأول عثمان بن سعيد، والمحدثين والفقهاء الأربعة: الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي، وأطلقت عليهم مصطلح المؤسسين الثمانية، إلّا أن هذا المصطلح مقيد بالزمان والموضوع، فالزمان اقصد به عصر غيبة الإمام المهدي، والموضوع هو النظام الاجتماعي الديني الشيعي، أي أنني قصدت أنهم المؤسسون الثمانية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة، وليسوا مؤسسي المذهب الشيعي. وهذا التأسيس للنظام الاجتماعي الديني الشيعي وبلورة الهوية الاجتماعية الدينية الشيعية العالمية كان عملاً عقلائياً تدبيرياً تنظيمياً مصيرياً، ولم يكن تأسيساً لمذهب أو فرقة أو مدرسة جديدة.
ثم إن الحاجات التي يفرضها الزمان، وتراكم الموضوعات الجديدة بسبب الابتعاد عن زمن التشريع، أدى الى الأخذ بأدوات معرفية جديدة للكشف عن موقف الشريعة، وخاصة علم الدراية وعلم الرجال وعلم أصول الفقه، وهذا لايعني أيضاً تأسيساّ من قبل العلماء المتأخرين، بل هو استخدام آليات وقواعد عقلية من جنس الثوابت أو لاتتعارض معها، وفي الوقت نفسه تنسجم مع متطلبات الزمان.
ولعل المطلعين يعرفون المعارك العلمية التي كانت تدور رحاها في كربلاء والنجف وغيرهما من الحواضر العلمية الشيعية، بين المدرسة الأخبارية (التي ترفض الاجتهاد وترفض علم أصول الفقه، وتأخذ بالأحاديث من الكتب الأربعة وغيرها كمسلمات دون تمحيص) والمدرسة الأصولية ( التي أخذت بالاجتهاد، واستخدمت أصول الفقه لهذا الغرض، وأخضعت كل المدونات الدينية الشيعية للتمحيص والغربلة عبر علمي الدراية والرجال)، ونتج عن هذه المعارك اكتساح المدرسة الأصولية لأغلب الوسط العلمي الشيعي وحواضره. وقد عدّ العلماء الاخباريون هذا العمل تأسيساً لمذهب جديد وخروجاً على قواعد المحدثين السلف، كالكليني والصدوق، وهو في الواقع ليس تأسيساً جديداً، وإنما استجابة الى ضرورات تطوير المعرفة الدينية، من خلال عملية الاجتهاد وآلياته المتجددة.
والخلاصة؛ إن ما قام به العلماء المدونون والمجددون، كالكليني والمفيد والطوسي، ثم ابن ادريس والعلامة الحلي، ثم الوحيد البهبهاني والمقدس الأردبيلي، ثم كاشف الغطاء والجواهري والأنصاري، وصولاً الى الخوئي والصدر والخميني، إنما هو تدوين للثوابت واجتهاد في الثوابت، وليس تأسيساً لعقائد الشيعة وفقههم. ومن يقول بأن المذهب الشيعي أسسه المحدِّثون والفقهاء الشيعة الأَوٓل؛ فهو بعيد كل البعد عن المنهج العلمي في البحث، وينطوي مشروعه على أهداف خاصة لضرب المذهب.


ــــــــــــــــــــ