الاثنين - 26 فيراير 2024
منذ سنة واحدة
الاثنين - 26 فيراير 2024


الشيخ محمد الربيعي ||

نبارك لكم ذكرى و لادة الامام علي ( ع ) ..
حتى نكون ضمن الدائرة العلوية ، و نكون ممن هم ضمن تلك الدائرة صدقا علينا ان نقرأ كيف كان عليّ يفكّر، وكيف كان يعالج بعض القضايا في زمنه، فلقد كان النّاس يقولون له: إنّ هناك ساحة تكثر فيها أساليب المكر والحيلة والخداع، ومن الصّعب عليه أن ينجح في الحكم إذا لم يأخذ بأسباب الحيلة، ومن الصّعب أن ينجح حاكم إذا لم يتلوَّث ولم يخدع ويخادع، وكانوا يقولون: يا عليّ، إذا أردت أن ينجح حكمك، فحاول أن تأخذ بأسباب الحيلة.. كُن ضبابيّاً.. أعطِ الواقع الذي تتحرّك فيه عنوان الإسلام من دون أن يكون الإسلام في عمقك، أعطِ كلماتك بعض خطوط الإسلام، ولكن فرّغها من داخل الإسلام، لأنّ السياسة التي تتبعها لا تنجح، فإذا لم تكن سياسياً كما هي السياسة ستفشل. فكيف علّق علي(ع) على هذه الدعوة؟
اسمعوا ردّه: “أيها الناس، إنّ الوفاء توأم الصّدق ـ فعندما تكون صادقاً، لا بدّ من أن تكون وفيّاً، لأنّ الصّدق يفرض عليك أن تكون صادقاً مع نفسك، وصادقاً مع ربّك، وصادقاً مع كلّ النّاس الذين أعطوك ثقتهم من موقع إحساسهم بصدقك، كُن وفيّاً لهم ـ ولا أعلم جُنّة ـ وقايةً ودرعاً ـ أوقى منه، وما يغادر من علم كيف المرجع”. فكيف تغدر وقد أعطيت العهد، وكيف تغدر وقد أعطيت الثّقة من نفسك؟! ربما تحصل في غدرك على بعض الأرباح والمكاسب، ولكنّ الغدر ليست له قيمة عند الله، بل هو ضدّ القيمة، أتعرف كيف هو المرجع عندما يأتي النّداء {وقفوهم إنهم مسؤولون}؟ {إنَّ إليْنَا إيابَهم* ثمَّ إنَّ عليْنا حسابَهم}.
ويقول(ع): “ولقد أصبحنا في زمان ـ وكأنّه يحدِّثنا عن زماننا أيضاً، والأزمنة تتلاقى في كلّ الذين ينحرفون عن الخطِّ باسم الله ـ ولقد أصبحنا في زمانٍ قد اتّخذ أكثر أهله كيساً ـ يعني فطنةً وذكاء، فالذين يغدر في مفهوم هؤلاء ذكيّ، ألا يقال فلان شاطر وداهية، لأنه يلعب على أكثر من حبل؟ ألا نتحدّث عن كثير من الناس الذين يغدرون ويلفّون ويدورون بإعظام، ونعتبر ذلك ذكاءً وفطنةً، بينما هؤلاء هم أهل الجهل، لأنهم لا يعرفون عمق الأشياء، ولأنَّ الغدر يعيش في السّطح ـ ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم؟! قاتلهم الله ـ لأنهم ابتعدوا عن الله ـ قد يرى الحوَّل القلّب ـ وهو البصير بتحويل الأمور وتقليبها ـ وجه الحيلة ـ فهل إنَّ علي بن أبي طالب(ع) الذي أعطى الفكر عمقه وامتداده وسموّه لا يفهم اللّعب على الحبال؟ ولا اللّفّ والدّوران؟ إنه يفهم ذلك، ولكن الفرق بينه وبين الآخرين، أنهم إذا رأوا الحيلة أخذوها، بقطع النظر عن أية نتائج سلبيّة أو إيجابيّة إزاء تكليفهم والتزامهم، ولسان حال عليّ يقول: أنا أسير وأسير والحيلة أمامي، وأمر الله أمامي يقول لي قف، ونهي الله أمامي يقول لا تتحرّك، فأقف وأنا أعرف الحيلة جيداً ـ ودونها مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين”.
إذاً، علي(ع) يقول أنا أفهم السياسة جيّداً، وأفهم كلّ ألعاب السياسة، وأفهم غدر السياسة وانحراف السياسة، ولكنّ مشكلتي هي أنّني ولدت على الحقّ، وجاهدت من أجله، وأريد أن أموت على الحقّ، فلا يمكن أن يقترب الباطل مني، ولا يمكن أن أقترب من الباطل، حتى لو كان ربحاً. إنه يقول أنا مع السياسة، سياسة الحقّ وسياسة العدل، لا سياسة الجور ولا سياسة الباطل، لأنّ الإنسان المسلم المسؤول هو الّذي يدير أمور الناس من خلال ما يصلح أمرهم في العمق وفي السطح وفي الامتداد، فلا يستبطن إسلامهم كفراً، ولا تختزن استقامتهم انحرافاً في داخلها. هذا هو عليّ(ع) في السياسة…
في واقعنا الرَّاهن
وكم نجد ـ أيّها الأحبّة ـ في واقعنا من كلمات الحقّ التي تطلق من أجل الباطل، كلمات حقّ في مفهومها، ولكن يراد لها أن تطبّق على أساس الباطل، وكم من النّاس يطلقون من الكلمات باسم الإسلام وهم يعيشون معاني الكفر، وكم من النّاس يطلقون من الكلمات باسم محبّة رسول الله وأهل بيته وهم يتحركون في غير خطّ الاستقامة، في خطّ رسول الله وخطّ أهل بيته، فليست الكلمات مجرّد شيء تطلقه في الهواء، ولكن لكلّ كلمة معناها في القاموس ومعناها في الواقع، إذ لا يكفي أن تحرّك الكلمة في القاموس لتطلقها في الهواء، ولكن عليك أن تطلق الكلمة وتأخذ معناها في اللّغة، ثم بعد ذلك، ترى كيف تتحرّك في الواقع، لأنّ بعض الناس قد يحرّكون الكلمات في معناها اللّغوي بعيداً من معناها في حركة الواقع، وتلك هي الكلمات والشعارات التي تطلق وهي حقّ، لكن الذين يقولونها يخطّطون لها من أجل أن تتحوّل إلى باطل في عالم التطبيق.
هذه هي المساحة ـ أيها الأحبّة ـ بين النظرية والتطبيق “كلمة حقّ يُراد بها باطل”. نعم، يقول عليّ إنه “لا حكم إلا لله”، ولكن هؤلاء يقولون “لا إمرة إلا لله”، ولكن لا بدّ للحكم من أمير يحكم كما جاء في (نهج البلاغة): “وأنّه لا بدَّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر ـ ليقوم به النظام ـ يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلّغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء ـ وهو ما يمثّل ميزانيَّة الأمَّة ـ ويقاتل به العدوّ وتؤمن به السّبل، ويؤخذ به للضّعيف من القويّ، حتى يستريح بَرٌّ، ويُستراح من فاجر”.
وفي رواية قال: “أمّا الإمرة البرّة، فيعمل فيها التقيّ، وأمّا الإمرة الفاجرة، فيتمتع فيها الشقيّ، إلى أن تنقطع مدّته، وتدركه منيّته”. فلقد فرّق بين “لا حكم إلا لله” وبين “لا إمرة إلا لله”. فالمفهوم هنا يختلف عن التّطبيق هناك، ولا بدّ لكلّ مفهوم إذا أردناه أن يتحرّك في الواقع، أن يتحرّك مع التّطبيق، حتى يمكن أن يتعمَّق في الواقع…
اللهم احفظ الاسلام واهله
اللهم احفظ العراق و شعبه


ــــــــــــــــــــ