الاثنين - 26 فيراير 2024
منذ سنة واحدة
الاثنين - 26 فيراير 2024


عبدالملك سام ||

يعود (صالح) إلى منزله بعد الظهر بعد يوم متعب في العمل، وعند دخوله للبيت يفاجأ بزوجته (بلقيس) وهي بكامل تأنقها، وتبتسم له وهي متبرجة أن اليوم هو “عيد الحب”، وأنها طلبت من الأولاد أن يخرجوا من البيت حتى تتفرغ الأجواء لها ولزوجها ليحتفلوا بعيد الحب في هدوء، ولدهشتها فقد وافق أولادها (أحمد) و(أروى)، ولم يعترضا، ولكنها لم تعطي الأمر أهمية؛ فكل ما يهمها أن تجلس مع زوجها في هدوء كما شاهدت في المسلسل التلفزيوني بالأمس!
يتنهد (صالح)، ويذهب إلى غرفته ليصلي ويرتاح قليلا، وعندما يدخل الغرفة يفاجأ بكمية الشموع الحمراء والزينة المعلقة والتي قد تكلفه نصف راتبه لشهر كامل! فيصلي وهو يفكر بأن اللون الاحمر من الألوان التي يكره الصلاة بها، وأن هناك علاقة بين هذا اللون والشيطان في الميثولوجيا الشعبية في عدة دول حول العالم، فلماذا هذا اللون بالذات؟!
يستعد (صالح) لغفوته اليومية، فيفاجأ بزوجته تصرخ به أن اليوم لابد أن يظل فيه صاحيا، فيوافق على مضض، ويقوم ليجد أن المائدة مليئة بالمأكولات المشتراة من المطعم! فينظر لزوجته نظرة إستنكار، فتسارع لتهدئته، لتخبره بألا يتعكر، وأنها أضطرت لتصرف مبلغ الإيجار الذي خبأه زوجها عندها، ولكن عليه أن يكون “منفتحا” وهادئا اليوم فقط، وغدا سيفكران في حل!
أكمل الزوجان غدائهما، وعندما سأل (صالح) عن ولديه قالت له (بلقيس) انهما في بيت جدهما لأنها أرادت أن يظلا لوحدهما اليوم، فغمغم (صالح) قليلا، ثم جلس مترقبا باقي الطقوس الخاصة بهذا اليوم..
أما (بلقيس) فذهبت إلى غرفة النوم وأشعلت الشموع ورتبت الحلوى فوق الطاولة وأخرجت صندوق الهدية الذي أخفته تحت الملابس، وأتجهت وكلها حبور نحو زوجها وهي تخفي الصندوق خلف ظهرها كما شاهدت في المسلسل، وعندما وقفت أمام (صالح) إبتسمت وقالت: “هابي فلانتاين”، وناولت (صالح) الصندوق الذي فتحه فوجد الهدية عبارة عن دب أحمر وبعض الطنافس التي على شكل قلوب حمراء، ثم نظر لزوجته فرأى نظرة غريبة مرتسمة على وجهها!
أندلعت الحرب العالمية الثالثة، وضرب زلزال بيت العائلة الهانئ، وأنفجر بركان الغضب بين الزوجين حتى وصل صوت صراخهما لأطراف المجرة؛ فقد نسي الزوج المحترم أن يشاهد المسلسل وإلا كان عرف أن عليه أن يشتري دبا أحمر هو أيضا، ولم يشفع له أعتذاره بأنهم في منتصف الشهر وأنه لم يعد يملك فلسا من مرتب الشهر الفائت! ولم يوقف المناوشات بين الزوجين سوى رائحة الحريق الذي أشتعل في غرفة النوم نتيجة سقوط إحدى الشمعات من على الطاولة وإحتراق الغرفة.
كان وجه الزوجين يرثى له بعد أن تمكنا من إطفاء الحريق، وقد بذلا جهودا جبارة حتى تمكنا من إنقاذ نصف غرفة نومهما التي امتلاءت برائحة الشياط، وجلسا في المجلس ليصيب الزوج غثيان مفاجئ بسبب الأكل الرديء الذي تناوله قبل الكارثة! وبعد أن افرغ ما في أمعاءه تمدد في المجلس، وطلب من (بلقيس) أن تتصل وتستدعي ولديه قبل أن يحل الظلام.
كانت المفاجأة أن (بلقيس) لم تجد الولدين في بيت جدهما، بل أنهما لم يذهبا هناك أيضا!! وقد شعرت بالقلق من أن تخبر زوجها بالخبر.. وقبل أن تتحدث سمعت صوت جرس الباب يدق، فاسرعت لتفتح وتفاجأ برجل الشرطة يستدعي والدهما للحضور إلى قسم الشرطة!
طبعا ما حدث بإختصار هو أن (أروى) أخبرت اخاها أنها ستذهب إلى بيت الجد وحدها طالما وأخوها يريد أن يذهب ليلهو مع أصدقاءه، والحقيقة أن (أحمد) كان يريد أن يحتفل بعيد الحب مع صديقته (فرح)، ولكنه تفاجأ بوجود شجار في المطعم الذي كانا فيه نتج عن صراخ فتاة حاول صديقها أن يقبلها بالإكراه – كما يفعلون في الغرب – بعد أن أعطاها هدية، وعندما أجتمع الناس عليهم لتأديب الشاب، تفاجأ (أحمد) بأن الفتاة ماهي إلا (أروى) أخته!
ماذا سيحدث للولدين والزوجة بعد هذا اليوم؟ الله أعلم، ولو إني على يقين أن (بلقيس) لن تحتفل بهذا اليوم مرة أخرى، ولكن ما أود قوله عن هذه القصة هو أننا مجتمع لديه دينه وأخلاقه وعاداته، وأننا سنضيع لو تخلينا عن هويتنا في مقابل عادات غريبة ولا فائدة منها، وأن ما يجري من محاولات مسخ لهويتنا المقصود منها هو إضعافنا والتهيئة للسيطرة علينا، وأن العدالة التي يجب أن نراعيها عندما نحاول أن نتصرف دون مراعاة لعاداتنا وقيمنا تستدعي أن يوافق كل واحد منا أن يقبل على نفسه ما يقبله على الآخرين، فالمثل يقول: من دق باب الناس دقوا بابه!
ما يتم الترويج له ليس حرية، فالحرية الحقيقية تستدعي أن يتصرف الإنسان بشرف وعدالة ومسؤولية، أما ما يسمونه “حرية” فهي عملية مسخ ليسهل إستعبادنا بعادات وقيم فاسدة مفسدة لا يمكن بأي حال أن يقبلها دين أو عرف أو عقل!


ـــــــــــــــــــــــ