الاثنين - 26 فيراير 2024

أبواب الإمام موسی بن جعفر(ع) ـ باب الرسالة العالمية

منذ سنة واحدة
الاثنين - 26 فيراير 2024


د.أمل الأسدي ||

إن أهل البيت امتداد رسالي لجدهم المصطفی (صلوات الله عليه وعليهم)، فكما كان رسول الله حاملا لرسالة إنسانيةٍ، موجَّهةٍ إلی البشريةِ كلّها، كذا كان الأئمة من أهل بيته، فالإمام عليّ (عليه السلام) كان أنموذجا فذا ومنهاجا معصوما في ميدان الإنسانية ، فقد أنسن كل شيءٍ، وحوّل الحكمَ والسلطةَ إلی أداةٍ ووسيلةٍ تبني الإنسان وتُشعره بقيمته التي أرادها اللهُ له، وهكذا لو تتبعنا أدوار أئمة أهل البيت من الإمام الحسن المجتبی فالحسين الشهيد بكربلاء، فعليِّ( زين العابدين) ثم محمد الباقر ومن بعده الصادق، وصولا الی صاحب الذكری، الذي جمعنا اليوم وهو الإمام موسی بن جعفر الكاظم( عليه السلام)،فحين نقول: إن الأئمة أصحاب رسالةٍ، فهذا يعني أن هناك عمليةً تواصليةً قائمةً بأركانها وأعمدتِها، فهناك المرسِل والمرسَل إليه، والرسالة، مع اختلاف قنوات التواصل وأدواتها من عصر الی عصر، فإن الإمام الكاظم وآباءه ينطلقون من منطلق قرآني ثابتٍ متجسد بقوله تعالی((
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ))
وكذلك قوله تعالی:((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)) سورة الأنبياء،الآية ١٠٧
وقد قدم لنا رسول الله الأعظم حديثا ينبِّهنا إلی أن نطاقَ عملِ أهلِ البيتِ هو نطاق عمله عينه إذ قال :((كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)) سنن النسائي،الحديث ٨١٤٨
وعليه كان تواصلُ الإمام مع الجميع، فدوره ليس مختصا بفئة من دون فئة، هذا ونحن نتحدث عن زمن كان فيه نطاق الدولة واسعا يمتد من بغداد الی الصين، فعلی الرغم من التضييق والملاحقة والسجن لم ينعزل الإمام ولم يترك وظيفته الرسالية.
وإدارك السلطات لهذا الأمر جعل من وجود الإمام مهدِّدا لهم رغم ابتعاده عن العمل السياسي- إن صح التعبير- فهو ملاحَقٌ في الأحوال كلِّها!!
فقطبية وجود الإمام وتمركزه بين المسلمين كافة،ومكانته العلمية الربانية جعلت منزله مختَلَفا للقاصدين والباحثين من شتی البقاع، وعلی الرغم من أن السلطة العباسية كانت تضيق عليه وعلی العلويين عموما، وكانت تغدق الأموال الطائلة من أجل الانتقاص من شأنهم، علی سبيل المثال توظيف الشعراء ودفع الأموال إليهم من أجل هجاء الإمام،محاولةً في صرف أنظار المسلمين عنه، ولاسيما أن الشعر يمثل الوجه الإعلامي السائد آنذاك ، فنجد الشاعر مروان بن أبي حفصة ينشد بين يدي الخليفة العباسي المهدي:
يا ابن الذي ورث النبيَّ محمدٍ
دونَ الأقارب من ذوي الأرحامِ
الوحيُّ بين بني البناتِ وبينكم
قطعَ الخصامَ فلات حينَ خصامِ
ماللنساءِ مع الرجالِ فريضةٌ
نزلتْ بذلكَ سورة الأنعامِ
أنی يكونُ وليس ذاك بكائنٍ
لبني البناتِ وراثةِ الأعمامِ
فلما سمع الإمام الكاظم بهذه الأبيات تأثر كثيرا وسمع هاتفا في الليل يتلو:
أنی يكونُ ولايكونُ ولم يكنْ
للمشركينَ دعائمُ الإسلامِ
لبني البناتِ نصيبهم من جدِّهم
والعمُ متروكٌ بغير سهامِ
ماللطليقِ وللتراث وإنما
سجدَ الطليقُ مخافةَ الصمصامِ
إن ابن فاطمةَ المنوّهُ باسمهِ
حازَ التراثَ سوی بني الأعمامِ
فقد أصرت السلطة العباسية علی تفتييت قضية ارتباط الإمام موسی الكاظم(ع) بالرسول الأعظم كي تحدّ من تواصله وتحجِّم تأثيره علی الناس، لكنها فشلت مع ما تملكه من إمكانات هائلة، والأغرب من ذلك أن فشل العباسيين امتد مئات القرون، حتی وصلنا إلی هذه اللحظة، إذ تغص بغداد بالزوار والقاصدين والمحبين من المسلمين عامة ومن شيعة أهل البيت خاصة إحياءً لذكری استشهاده (ع)، وليت من اغتال الإمام أو أسهم في اغتياله يشاهد بعينيه الأبواب التي تحيط ببغداد كيف صارت منافذ لتوافد الملايين الذين حركتهم محبة الإمام الكاظم ودعاهم الولاء لأهل البيت وأتی بهم من شتی البقاع، ليعلنوا خلود الخط الرسالي وعالميته، وفشل خط الباطل بوجهه العباسي الذي أفسد البلاد وشرد العباد بظلمه وجبروته،فهنيئا لمن اختار المسير علی صراط الحق، منحازا لإنسانيته وفطرته السليمة، مناصرا لكلمة” لا إله إلا الله، محمد رسول الله” بالقول والفعل والانتماء.


ـــــــــــــــ