الأربعاء - 21 فيراير 2024
منذ 12 شهر
الأربعاء - 21 فيراير 2024


محمد عبد الجبار الشبوط ||

جوهر فكرة المهدوية هو الايمان بان البشرية تسير بخط متصاعد، وان كان متعرجا في مواضع زمانية ومكانية، نحو التكامل، وصولا الى الانسان الكامل او المجتمع المعصوم فكريا وسياسيا الخ.
وقد تعرضت هذه الفكرة الى حالات او اخطاء من سوء الفهم مما ادى الى سوء التعامل معها. ومن هذه الحالات او الاخطاء ما يلي:
الخطأ الاول، ارتباط الفكرة بالشخص:
ارتبطت فكرة المهدوية في اذهان الكثير من الناس بشخص الامام المهدي، وهو الامام الثاني عشر لدى الشيعة الامامية المفترض انه ولد في منتصف شعبان من عام ٢٥٥. وهذا يعني ان عمره الان ١١٨٩ عاما.
بعض الناس (من المسلمين او اتباع الديانات الاخرى او اللادينيين) لا يؤمنون بفكرة الائمة الاثني عشر، وبعضهم لا يؤمن بوجود الامام المهدي اصلا، وبعضهم يجد صعوبة في تقبل فكرة عمره الطويل؛ فيختار ايسر النجدين، وهو عدم الايمان بفكرة المهدوية من اساسها.
والجواب ان فكرة السير التكاملي للبشرية فكرة عامة وحقيقة ملموسة، ويمكن الايمان بها وتقبلها حتى مع عدم تقبل الايمان المهدي شخصيا. فالتاريخ البشري منذ الاف السنين، وربما ملايين السنين كما يقول البعض، هو سردية لتطور البشرية تدريجيًا من جميع النواحي وفي مختلف المجالات، سوء امنا بالمهدي او لم نؤمن. بامكان الطرفين ان يؤمنا بفكرة ان البشرية في حالة سير تكاملي مضطرد وتطور مستمر وانتقال من حالة الى حالة اعلى منها.
الخطأ الثاني، تصور ان ظهور الامام المهدي سيكون قريبا من يوم القيامة، فيثور التساؤل عن مغزى كل الفكرة اذا كانت الحياة سوف تنتهي بعيد ظهوره. والحال ان يوم القيامة هو عنوان ديني لمسألة علمية هي نهاية الكون الحالي. وهذه النهاية ليست قريبة على اية حال. ويمكن ان يكون يوم القيامة عنوانا دينيا لمسألة اخرى هي نهاية الحياة في الارض بسبب الاقتراب الكبير للشمس من الارض ثم ابتلاعها، وهذه حدث بعيد ايضا. وهذا لا يتعارض مع حالة التطور المستمر للمجتمع البشري. فالتكامل خط متواصل قبل وبعد ظهور الامام المهدي وصولا الى نهاية الحياة في الارض، ان حدث ذلك.
الخطأ الثالث، حدث فجائي اعجازي.
رسخ في الاذهان ان المهدوية تنطوي على حدث اعجازي هو “ظهور الامام المهدي” الذي سوف يصلح الارض ويملأها عدلا وقسطا بعدما ملئت ظلما وجورا. وهذا خطأ في الفهم والتفسير. لأن المهدوية كما قلنا عقيدة في فهم المسار التاريخي للبشرية قوامها الاعتقاد بالتطور التصاعدي المستمر والمشهود للبشرية. ومنه ان “ظهور الامام المهدي” هو حلقة نوعية مهمة في هذا المسار وليست تطورا فجائيا او قفزة فيه.
الخطأ الرابع، الاصل القراني لفكرة المهدوية. يعتقد بعض الناس ان فكرة المهدوية غير مذكورة في القران لعدم وجود الاشارة الى الامام المهدي تحديدا في القران. وسبب هذا الخطأ هو ربط فكرة المهدوية بالشخص في حين ان العكس هو الصحيح. ففكرة المهدوية بمعناها الذي شرحته انفا مذكورة في العديد من ايات القران من بينها قوله تعالى:”وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات 56) وهذه اية مكية قديمة. ومعناها ان الغاية من الوجود الانساني هي تحقيق التطابق بين ارادة الخالق وارادة المخلوق. وهذا هو معنى العبادة. وهذه الاية كاشفة عن احدى السنن الحتمية في القران الكريم. ويؤكد معناها قوله تعالى:”يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ.” (الانشقاق 6) واللقاء بين الله والانسان هو تعبير عن التطابق بين ارادات الطرفين. واذا تذكرنا ان الله هو الكمال المطلق فان لقاء الانسان مع الله هو وصول الانسان الى درجة الكمال المطلق طبقا لما اودعه الله فيه من امكانيات الكمال. والعلم يؤكد امكانية ذلك.

ــــــــــــــــــــ