الجمعة - 23 فيراير 2024

الدراما واستهداف الهوية

منذ 11 شهر
الجمعة - 23 فيراير 2024


د.أمل الأسدي ||

لعل هذا العنوان صادم للمتلقي، فهو يجمع بين الدراما كفن يخاطب الناس ويصل إلی أسماعهم وأبصارهم وهم في أماكنهم، و استهداف الهويات أو صراع الهويات التي تعاني منها البيئة الاجتماعية العربية عموما والعراق علی نحو الخصوص، فلم يتعرض شعب لحرب الهوية ومحاولات طمسها وتمييعها كما الشعب العراقي، من حكم الأمويين فالعباسيين فالعثمانيين، فالاحتلال البريطاني والملكية، وصولا إلی حكم النظام البائد، وبما أننا نتحدث عن التلفزيون والدراما فسيكون حديثنا بدءا من حقبة البعث، إذ كانت حرب الهوية في أولها قائمة علی السجون والتعذيب والمقابر الجماعية والتسفير والتهجير والإبادة والإعدامات التي لم يسلم منها طفل أو امرأة أو شيخ أوشاب… فكان الموت نصيبا مفروضا علی العراقيين الشيعة، مع أن الحرب قد مست المكونات الأخری كالأكراد مثلا، ولكن ظلم البعث كان بالدرجة الأولی علی الشيعة، وهذا لايحتاج إلی دليل أو إضافات، فالمقابر أكلت أعمار شبابنا سواء أكان ذلك بالحروب التي شعل صدام فتيلها، أم بالإعدامات ومحاكم الثورة والمحاكم الخاصة، وإبان هذه المرحلة كانت الدراما بعيدة عن الاحتكاك السياسي أو مس ظلم البعث أو انتقاده، واعتكفت علی الموضوعات التأريخية والاجتماعية العامة، فكانت بذلك غريبة عن الواقع حتی علی صعيد أسماء الأبطال، فتسمع بشكيب ونبيل ودريد ولؤي وسنان، ولاتسمع بأكثر الأسماء انتشارا في العراق وأكثرها ارتباطا بهوية الشعب الغالبة، بل ويتم ملاحقة الأعمال التي تذكر هذه الأسماء مثل علي، سجاد، حسين…فتخيل أن اسم سجاد ذُكر لأول مرة في مسلسل” هيستيريا” عام 1996، وقد بيّن لنا الكاتب (أحمد هاتف ) في حوار سابق ما حصل في مسلسل (الوحاش) وهومسلسل من تأليفه وإخراجه، سنة( 2000م ) ، إذ تم منع طاقم العمل من تصوير مشهد دعاء البطل(حكيم جاسم) في داخل الحضرة الكاظمية المقدسة، مما اضطره للتصوير من داخل مستشفی الكاظمية وإظهار القباب من بعيد!!
فظهور الحضرة الكاظمية يشكل تحديا لنظام البعث الذي قام منذ بدايته علی حرب الشيعة والسعي إلی طمس هويتهم!!
وفضلا عن ذلك قد نجد الدراما تجسد شخصيات معادية لأهل البيت، في بلد المراقد المقدسة وبلد الأئمة والأولياء والصحالين، مثال ذلك مسلسل(أبو جعفر المنصور)(١) ذلك الحاكم الذي قتل العلويين ونكل بكل من يخالف السلطة العباسية ومن ذلك سجنه لأبي حنيفة النعمان(رحمه الله) بعد رفضه تولي كرسي القضاء، ورفضه الانصياع للسلطة الظالمة، حتی انتهی الأمر بقتله!!(٢)
وهكذا كانت الدراما تسير في ركب السلطة الحاكمة ولاتجرؤ أن تكون واقعية في ظل سيطرة حكومةٍ طائفية ظالمة، وحين انتقد مسلسل” عالم الست وهيبة” الواقع المتردي الذي يعيشه العراق ولاسيما المناطق الريفية إبان أيام الحصار الاقتصادي، تم منعه من العرض أول الأمر، ثم أُعيد بثه عام 1998 وتحويله من الفترة المسائية إلی الفترة الصباحية.
ولاتبتعد السينما عن ذلك ولعل فيلم الأيام الطويلة خير شاهد، وفيلم المسألة الكبری وتزييف الحقائق التأريخية وسرقة ثورة العشرين من أبنائها ورجالها.
وبعد سقوط الصنم وتعدد الأحزاب الحاكمة واختلاف توجهاتها، أهملت الدولة الفن ولم تتبن سياسةً فنية تخدم هوية العراق وتوثق الأحداث التي مرّ بها طوال عقود من الظلم والجور، عقود من التحدي والصبر والإبداع وعزة النفس، حينها خلا الجو للقنوات الفضائية المدعومة من الخارج والداخل، القنوات التي تتصل بأفكارها ومتبنياتها بحكم البعث المقبور، فوظفوا الفن في حرب الهوية، فمن السجون والمقابر الجماعية إلی المفخـ.خات الطائفية إلی حرب الدراما التي تمظهرت بمظهرين أو انتظمت بنمطين: الأول: ضرب المنظومة القيمية العراقية وتشويه صورة المجتمع، وتصدير الرذيلة إليه، مع تزييف الواقع والنيل من الشخصية العراقية الشيعية ولاسيما الشخصية الجنوبية، وهو امتداد لفكر البعث، فالشروگي لايمثل نفسه أو بيئته الجنوبيةوحسب!! وإنما يمثل الشيعة كلهم، فهم شراگوة كما يسميهم البعث محاولا الانتقاص من هويتهم!!
ويسعی هذا النمط إلی خلخلة الهوية الثقافية وزعزتها، وضرب العادات والتقاليد، وتقزيم الشخصية، وسلبها صفاتها الواقعية كالكرم والشجاعة والحلم والصبر والحكمة والجدية وغيرها من الصفات الحضارية كاحترام المرأة والسماح لها بالعمل والدراسة، فيُظهر هذا النمط الشخصية الشيعية شخصية سطحية، تثير السخرية، غادرة، تسيء الی المرأة، ويُظهر الأسرة العراقية أسرة منحلة مفككة، كما ويزيف الواقع المعيشي ويضخم السلبيات، ويخفي قدر الإمكان التحسن المعيشي والرفاهية الاقتصادية المغايرة لما كان العراقيون يعيشونه في زمن النظام البائد!! والأمثلة كثيرة في هذا الاطار من ذلك: مسلسل أحلام السنين، وطيبة وفايروس، ومؤخرا مسلسل دفعة لندن…
الخ من الأعمال الدرامية والبرامج الهابطة المؤدلجة، فكل مسلسل يتّبع القناة التي تنتج، و يخدم أجندتها وما تريد تحقيقه، فلم يعد الفن رسالة جمالية تنويرية، وإنما أداة لتنفيذ حرب الهوية بحلتها الجديدة!
أما النمط الآخر فيتمثل في تزييف الحقائق التي تخص ماتعرض له العراق من هجوم بربري علی يد داعـ.ش، ذلك الهجوم الذي أزهق الأرواح ودمر كل مظهر حضاري، وباع المرأة العراقية في سوق النخاسة، وقد تصدی لهذا الهجوم وأفشله الحشد الشعبي وبمشاركة القوات الأمنية الأخری والجيش العراقي، الحشد الذي تأسس علی أثر فتوی الجهاد الكفائي، فهب الشيعي لنجدة إخوته من دون التفكير بأي مقابل أو أي ربط لسلوك بعضهم وتأريخه، وقد شكر البابا فرنسيس
السيد علي السيستاني كما جاء في بيانه:”وقد شكل هذا اللقاء فرصة لقداسة البابا حتی يشكر آية الله العظمی السيستاني الذي رفع صوته مع الطائفة الشيعية إزاء العنف والصعوبات الكبيرة التي شهدتها السنوات الأخيرة، دفاعا عن الضعفاء والمضطهدين” ومع ذلك يحاول هذا النمط الدرامي سرقة الانتصارات والتضحيات الكبيرة لأبناء الحشد وتحويلها إلی غيرهم!! وكذلك يحاول هذا النمط أن ينقل مظهر الدواعـ.ش وعنفهم وعلاقاتهم النسوية من البيئة التي وجدت فيها واحتضنتها إلی بيئة الوسط والجنوب، وينتمي إلی هذا النمط مسلسل “ليلة السقوط” ومسلسل “الكاسر” الذي جوبه برفض شعبي ونخبوي وبرلماني !! هذا كله بمعزل عن الضعف الفني والتكلف في كل شيء حتی في الخطاب والحوار!! وبمعزل عن استيراد القصص والحكايات من الدراما التركية ومحاولة تطويعها لتظهر قريبة من الواقع العراقي، وقبل الختام لابد أن نشير إلی وجود أعمال درامية راقية وموضوعية، فنية جمالية بعيدة عن الاستهداف والتوظيف في الحرب الناعمة المسلطة علی العراق وغيره من الدول العربية والإسلامية، لكننا نتحدث عن ظاهرة درامية ولا نتحدث عن أعمال فنية محدودة.
وهنا نقول: متی تنتهي حرب الهوية؟ ومتی تتبنی الدولة الفن وتسعی لانتاج ما يعزز الهوية الثقافية في العراق، ويحفظ كرامة أبنائه؟ ومتی تكون لدينا رقابة توقف أصحاب الأموال والأجندات وتلزمهم حدودهم؟
ومتی تشبع الأحزاب السياسية من الأموال وتلتفت إلی الفن والإعلام والتوثيق؟ ومتی نمتلك خطابا واعيا يكشف الطائفية ويعريها، ويقاوم ما أشاعته الماكنة الإعلامية المضللة القمعية من أن الاعتزاز بالهوية الشيعية وذكرها والدفاع عنها هو عمل طائفي؟! بينما يحق للمكونات الأخری الاعتزاز بهويتهم والدفاع عنها والحرص علی مظهرها وحضورها!!
ومتی نوقف الماسوشية السياسية التي تضحي بهويتنا ووجودنا من أجل مصالحها الخاصة؟
ومتی نشاهد أعمالا واقعية، لصيقة ببيئتنا، قريبة من معاناتنا؟ أعمالا تلقائية لاتشعرك بأن ما تشاهده هو تمثيل وأداء!!