الأربعاء - 21 فيراير 2024

نفحات قرآنية ﴿40﴾

منذ 11 شهر
الأربعاء - 21 فيراير 2024

رياض البغدادي ||

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
” لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴿12﴾ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿13﴾” سورة النور
قوله تعالى ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى (هلا) وذلك كثير في اللغة إذا كان يليه الفعل كقوله ﴿لولا أخرتني﴾ المنافقون – 10 وأما إذا وليه الاسم فليس كذلك، كما في قوله ﴿لولا أنتم لكنّا مؤمنين﴾ سبأ – 31 ،والمراد من ﴿لَوْلَا﴾ أنه كان من الواجب أن يُحسِنَ المؤمنون الظن ولا يسرعوا الى التهمة، وههنا سؤلات:
السؤال الأول: لماذا عَدَلَ من الخطاب الى الغيبة، ومن المضمر الى الظاهر؟ ذلك للمبالغة في التوبيخ، بطريقة الالتفات والتصريح، بلفظ الإيمان لدعوتهم الى الإحسان بالظن، لأن الإيمان رادع عن الوقوع في المعصية.
السؤال الثاني: ماالمراد بقوله ﴿بِأَنْفُسِهِمْ﴾؟ وجوابه فيه وجهان: الأول: أي بأمثالكم من المؤمنين كما في قوله ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ الحجرات- 11، والوجه الثاني: إنه جعل المؤمنين كالنفس الواحدة، فإذا أصاب أحدهم مكروه فكأنه جرى على جميعهم.
السؤال الثالث: مامعنى قوله ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾؟ وجوابه من وجهين: الأول أي إن الواجب يقتضي الإنكار على القاذف والإخبار عنه، ليكون رادعاً لغيره، والوجه الثاني إن ذلك واجب في مَنْ قَذَفَ زوجة النبي (ص)، وقيل إن هذا دليل وجوب حمل تصرفات المسلمين وعقودهم ومعاملاتهم على الصحة وحسن الظن، فإن المسلمين عدول مالم يثبت غير ذلك.
قوله تعالى ﴿ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴿13﴾
هذه الآية من الزواجر، والمعنى هلا أتوا على ما ذكروا أربعة شهداء؟…
قيل لماذا يتوعدهم الله تعالى، فربما يكون الثلاثة صادقين بدعواهم، فلماذا يجزم بكذبهم؟ والجواب من وجهين:
الوجه الأول: إن المقصودين بهذا الزجر هم من قذفوا زوج النبي بالإفك.
الوجه الثاني: هي من باب زجر المدّعي ودفعه الى كتم شهادته، إلا بعد أن يكتمل عدد الشهود، وبذلك يصان المجتمع الإسلامي من الفساد.
قوله تعالى ﴿عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي في شريعة الله وحكمة بغض النظر عما يحكيه الواقع، فعدم اكتمال نصاب الشهادة يجعلهم الطرف الكاذب في القضية، وليس لأن شهادتهم كانت كاذبة، فالقضاء في الحقيقة هو فضٌ للخصومة والنزاع وليس رد الحقوق، لأن رد الحقوق منوط بجملة من الشروط، إن توفرت رُدَّ الحق الى أهله وإن لم تتوفر فالله تعالى خير الحاكمين وعنده تجتمع الخصوم، أما إقامة العدل فالعدل هنا يُقصد به اتباع القاضي الموازينَ الشرعية والقانونية في فض الخصومة بين المتخاصمين.
والله العالم