الجمعة - 23 فيراير 2024
منذ 11 شهر
الجمعة - 23 فيراير 2024

حسين الذكر ||

من اجمل عبر الزهد التي قراتها ان العالم المتصوف أبا يزيد البسطامي درس في المدينة المنورة وذهب عائدا الى بلدته بسطام وقد تهادى الى مسمعه ان الناس تجمعت على الطريق احتفاء بقدومه وكان ذلك بشهر رمضان .. فشكل حرجا لزهده اذ لم تشغله أمور الدنيا .. فلم ينتظر طويلا عند اقترابه من المحتفيين فاخرج كسرة خبز واخذ يلوك بها ، فبهت الناس : ( انا أبا يزيد قد افطر في وضح رمضان .. لقد جن وفسد الرجل ) … ! فتركوه وتفقروا عنه .. فسعد كثيرا بذلك وخاطب نفسه قائلا : ( لا ينفع تاديبك الا هذا الأسلوب ) !
ابتليت العاصمة العباسية أيام المقتدر بالله بمتصوف اسمه الحسين بن منصور الحلاج .. الذي عرف عنه الزهد والعلم والادب اذ نطق باقوال وافعال لا يفهمها اهل زمانه .. فشكل مازقا شديدا للسلطة .
جاء في كتاب ( الحسين بن منصور الحلاج: شهيد التصوف الإسلامي ) للكاتب المصري طه عبد الباقي سرور: – هو الأكثر إثارةً في التاريخ الإسلامي، والأعمق أثرًا، فكان وسيظلُّ «الحلاج» نموذجًا لافتًا في تاريخ الإنسانية، ومصدرَ إلهامٍ لكلِّ أحرار العالم المحلقين بأرواحهم في سماءات الحرية.
اختلفت به العامة والخاصة فقد هاجمته السلطة وبطانتها سيما أولئك الذين أصيبوا بالبطنة جراء ما يفرطون من الشهوات ويتنعمون بعطايا السلطان مقابل الإفتاء المزاجي كما وصفهم الدكتور علي الوردي ب( وعاض السلاطين ) .. فيما دافع عنه اكابر العلماء كشيخ الطائفة الجنيد، ومحي الدين بن عربي .. حتى والدة الخليفة كانت متعاطفة مع الحلاج، وتدخلت لحمايته وكذا فعل نصر القشوري حاجب القصر الذي كان يطلق على الحلاج لقب العبد الصالح.
جاء بكتاب (التصوف بين ثورية الحلاج ) للدكتور محمد فياض : أن الحلاّج كان واحدا من الشخصيات الإشكالية في انتماءاته الفكرية والمذهبية، وتوجهاته ومواقفه السياسية.. بالإضافة إلى تجربته الروحية والذوقية التي ظلت تميزه حتى بين أقرانه المتصوفين .
وزير الخلافة حامد بن العباس الذي اشتكت العامة من فساده وإفراطه بفرض الضرائب وممارساته الاحتكارية هو الأكثر حقدا على الحلاج حتى اقسم علنا على قتله بيده .
عانى الحلاج من كثرة مطارديه واتهاماتهم التي كانت بعضها طائفية جاهزة للإطاحة بالخصوم وهي من التهم الجاهزة باروقة الحكم بكل زمان ومكان لازاحة المناوئين . فيما رجح اغتياله لأسباب سياسية محضة سيقت لها بعض المبررات الدينية. من قبيل افتائه : ( بان كل من جمع وتكفل بإيواء ستون طفلا يتيما واطعمهم وسهر على خدمتهم وتعليمهم مدة شهرين يعد بمثابة قد حج ولا يحتاج الى الذهاب الى مكة ) ..
بعد ما اشرأبت النفوس وانتشرت الاشاعات واللغط لذي عاشته عاصمة الخلافة العباسية بمآثر الحلاج .. قرر الخليفة المقتدر إعدامه، فصُلب وقُطّعت أطرافه وراسه وسٌملت عيناه، وأحرق في واحد من أكثر المشاهد مأساوية في التاريخ سنة 309 هجرية .
قال الحلاج قبل موته :
لَبَّيكَ لَبَيكَ يا سِرّي وَنَجوائي
يا كُلَّ كُلّي وَيا سَمعي وَيا بَصَري
إِن كُنتَ بالغَيبِ عَن عَينَيَّ مُحتَجِبًا
فَالقَلبُ يَرعاكَ في الإِبعادِ وَالنائي
شكلت أقواله بعد الموت سيفا سلط على رقاب قاتليه اشد مما شكلته حياته عليهم .اذا ان
تلكم الكلمات ما سمعها احد من الشيوخ مريدوه الا رق له وبكى وترحم عليه ودعا على قاتليه اللذين ظل ضميرهم يؤنبهم وتجلل واقعهم وتخلخلت احوالهم حتی ضاقت عليهم الارض .


ــــــــ