الجمعة - 23 فيراير 2024

قمّة الرياض: استراتيجية جديدة للعرب وللمنطقة

منذ 9 أشهر
الجمعة - 23 فيراير 2024


الدكتور السفير جواد الهنداوي ||

رئيس المركز العربي الاوربي للسياسات وتعزيز القدرات / بروكسل / ٢٠٢٣/٥/١٨.

لنْ تكْ قمّة العرب المنعقدة في الرياض غداً ٢٠٢٣/٥/١٩ ، كسابق القممْ ، وهذا ما عبّرنا عنه في مقال سابق ، عن القمّة بعنوان ” قمّة الرياض القادمة : قمّة المصالحة العربية والشرق الاوسط الجديد والتوقعات السارة ” بتاريخ ٢٠٢٣/٤/٤ ، ومنشور في هذه الصحيفة الالكترونية ومواقع وصحف آخرى . مانكتبه الآن استكمالاً وليس تكراراً لما وردَ من افكار .
لماذا وكيف نرى في هذه القمّة بداية لاستراتيجية جديدة للعرب وللمنطقة ؟ و ماذا سيترتب على العرب شعوباً و دولاً ، وعلى دول وشعوب المنطقة كذلك ،مِنْ خطط وسياسات تتناسب مع هذه الاستراتيجية الجديدة ،كي يحصدُ الجميع ما ينتظر من نتائج و مكتسبات ؟
اولاً في التلاقي العربي السوري ،او في عودة سوريا الى الحضن العربي ( كما يعبّر عنه البعض ) او في الغاء الجامعة العربية لقرارها باستبعاد سورّية ( كما أُعبّر عنه ) ،ومهما اختلفت التوصيفات و التسميات ،يكمنُ في الامر بُعدْ استراتيجي ،قد مّرَ بجانبه الكثير مرور الكرام ،الاّ وهو ( واقصد البُعدْ ) هو انَّ سوريّة التي تعود هي سوريّة الانتصار وليس سوريّة الانهيار ، وأنَّ سوريّة التي تعود هي سوريّة التحالف الاستراتيجي و المصيري مع روسيا وايران وقوى المقاومة ، و أنَّ هذه العودة او هذا التلاقي السوري العربي جاء في وقت يناسب العرب ويناسب سوريّة ،لانه جاء في وقت والعالم العربي يتصارح ويتصالح بعضه مع البعض ،وجاء في وقت والعرب ( وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية ) يتصارح ويتصالح مع ايران و ينفتح اكثر ،يوماً بعد يوم ،مع روسيا . فعودة سوريّة او تلاقي سوريّة ،المتحالفة مصيرياً و استراتيجياً مع روسيا و ايران ، مع اشقاءها العرب لا يصطدم بعقدة او باشكالية التحالف السوري الايراني الروسي ،لانَّ العرب اصبحوا قاب قوسيّن او ادنى من أنْ يكونوا في ذات التحالف . هذا الاستنتاج يؤّكد ما كتبناه وكررنا قوله ،ومنذ بدء الازمة في سورية ،بأنَّ الازمة ليست سوريّة و انما ازمة عربية و ازمة اقليمية و ازمة دولية في سوريّة .
ثانيّاً ، هويّة القمّة عربية ، ولكن ذات بُعدْ استراتيجي إقليمي و دولي ، وتوقعّنا و تمنينا دعوة الرياض لحضور تشريفي لايران ولتركيا في القمّة كضيوف شرف ،لما لهذا الحضور من معنى و رسائل ،لاسيما ولنتائج هذه القمة تأثير استراتيجي كبير على المنطقة ، وتطرح استفهامات كثيرة منها مثلاً ؛ ما مصير قانون قيصر الامريكي على سوريّة و الدول العربية التي ستنفتح على سوريّة بالتعامل و بالاستثمار ؟ وهل سيكون للعقوبات الامريكية المفروضة على ايران جدوى اقتصادى و احترام سياسي ؟
هل ستتكيّف امريكا مع الواقع الجديد للمنطقة بعد القمّة ،و تبادر في الغاء عقوباتها تجاه سوريّة و ايران قبل ان تندثر بحكم الواقع و التعامل . استمرار امريكا بفرض العقوبات سيجعلها في موقف عدائي لا يُحسدْ عليه ،تجاه المنطقة و تطلعاتها ، وليس فقط تجاه سوريَة !
ستكون هذه القمّة هي قمّة المصير المشترك للمنطقة وليس فقط للعرب ،لأن نيّة الجميع و استدارة الجميع ( المملكة العربية السعودية و ايران والعراق وسوريّة و مصر وباقي العرب ) هي استدارة استراتيجية و صادقة وليست استدارة تكتيكية و خادعة . و سيكون الاقتصاد وليس السياسة هو المُفعّل و الحاسم لهذا المصير المشترك ،لانه ( اي الاقتصاد ) يمثل و يعبّر عن مصالح الجميع ، ومسيرة المملكة العربية السعودية و رؤيتها لعام ٢٠٣٠ خير دليل على اهتمامها للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة وفي المنطقة ، ولا تنمية دون امن واستقرار للمنطقة .
ثالثاً ، ستكون قمّة الحضور الفلسطيني ، وقد استبق الامير ولي عهد المملكة ،محمد بن سلمان ، موعد القمة بلقاء مطّول وحديث صريح مع القيادة الفلسطينية ،ومع الرئيس محمود عباس ،وحسبَ مصادر مطّلعة و موثوقة ، اكدّ الامير محمد بن سلمان للرئيس محمود عباس بعدم نيّة المملكة التطبيع مع اسرائيل مالم توافق اسرائيل على مبادرة السلام العربية ،التي طرحتها المملكة العربية السعودية في قمّة لبنان عام ٢٠٠٢ ،و ان يسترجع الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة في دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ، و وفقاً لقرارات الشرعية الدولية . وقد توقعّنا موقف المملكة العربية السعودية هذا ،منذ مُدّة ، في مقال ،و كتبنا بأنَّ المملكة لم ولن تقدِمْ على التطبيع مع كيان رفض مبادراتها .
وليس من المستبعد ان تكرر المملكة ،في البيان الختامي للقمّة ،دعوتها لاسرائيل لقبول مبادرة السلام العربية .
بالتأكيد موقف المملكة تجاه الحق الفلسطيني ،يعبّر عن موقف العرب جميعاً ، وطرحه في القمة و مطالبة اسرائيل بقبول المبادرة العربية وبعد عقديّن من الزمن على مرورها ، هي رسالة عربية للعالم برغبة العرب للسلام وهي ،في ذات الوقت تعرية لزيف وكذب اسرائيل برغبتها للسلام .
رابعاً ،ستكون قمّة وأد الارهاب و التعامل مع النفوذ الامريكي وفقاً لمصالح المنطقة وليس وفقاً للاملاءات الامريكية و المصالح الاسرائيلية ، ستكون المنطقة مُتخمة بقواعد امريكية عسكرية ،كما في الماضي ، ولكن بنفوذ سياسي اقل بكثير من الامس . وستصبح اسرائيل اكثر و اكثر عبئاً على الاقتصاد وعلى الدور السياسي الامريكي وليس عوناً ، وهذا ما تدركه اسرائيل جيداً ، ويحذر منه النخب الامريكية الموالية لاسرائيل ،ويعتبروه عاملاً من العوامل التي تقرّب نهاية الكيان الاسرائيلي .
قد يستغرب القارئ عندما استشهد بالقرار القضائي الصادر في باريس ضّدَ السيد رياض سلامة مدير البنك المركزي اللبناني ، لاسباب فساد و استغلال المنصب الوظيفي ،هو احد مؤشرات انحسار النفوذ الامريكي ؛
كذلك حضور الرئيس بشار الاسد قمّة الرياض و لقاءاته الخاصة المتوقعة مع الامير محمد بن سلمان ،وبقية الزعماء العرب هو مؤشر آخر .
ستنظرُ شعوب العرب لهذه القمّة بعيون الامل و الرجاء ،وستراقب وتتابع اسرائيل القمّة بشعور الندم و الحذر ، وستراها كل من الصين و روسيا مناسبة لمرحلة جديدة لدور اكبر و دور اوسع لهما ، وستستخلص امريكا العِبرْ و الدروس من نتائج سياسة استعلائية استفزازية خدمت مصالح اسرائيل وضّرتْ كثيرا بالمصالح الاميركية.


ــــــــــــــــــــــ