السبت - 15 يونيو 2024

جعفر الصادق؛ مدرسة في التخطيط السري وجهاد التبيين

منذ سنة واحدة
السبت - 15 يونيو 2024


سميرة الموسوي ||

• لمناسبة إستشهاد الامام جعفر الصادق عليه السلام .

في عصر الامام جعفر الصادق ،كانت الظروف متلاطمة: السياسية والاجتماعية والاخلاقية،فكانت الامة تزخر بمظاهر الفساد ،كما أن الخطوط العامة للعقيدة لم تكن واضحة في أذهان الناس وفي سلوكهم وذلك لما كانت تتميز به السياسة العباسية من تزوير لصورة الفقه والدين عن طريق الوضع في الحديث مع كثرة الفتيا بالرأي وتشتيت التشريع الاسلامي بجعله زاخرا بالعناصر الغريبة ولا سيما في مصادره التشريعية كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها من الامور التي أفقدت التشريع خاصيته وأصالته الاسلامية ،وفضلا عن ذلك فإن حكام بني العباس كانوا يعون خطورة وجود أهل البيت عليهم السلام في المجتمع ،لذلك شجعوا الغلاة والمتصوفة وغيرهم حتى ظهرت حركات غريبة ومباديء فاسدة ،وهذه كلها أصبحت خطرا على وجود وكيان الاسلام التشريعي والعقائدي ، وكان الصراع السياسي المستمر دون هوادة مع الصراع المذهبي العنيف قد أدى الى جعل الامة في دوامة بحيث يتعذر عليها معرفة واقع الاسلام .
إن هذا الواقع كان واضحا أمام الامام الصادق عليه السلام ،فليس سوى التناقضات والتيارات المنحرفة التي تعيشها الامة ،ويمكن أن نفرز نوعين من الانحراف تَمثلا أمام الامام عليه السلام ، إحداهما إنحراف على الصعيد السياسي متمثلا بالجهاز الحاكم والدولة ،وإنحراف خطير في إتجاهات الامة وجهلها بواقع الرسالة ،ومن المؤكد أن الامام عليه السلام كان يعيش رقابة صارمة فكل خطوة محسوبة عليه من العيون العباسية المبثوثة حوله والتي تطارده بلا هواده ،ولكنه عليه السلام كان من الذكاء والحكمة والالهام ما يجعل كل هذه الظروف سهلة على كل تحركاته وسهلة على تنفيذ خططه الحكيمة التي بقيت خير مسار عام لأهل البيت عليهم السلام من بعده ولكل المسلمين المخلصين المنظوين تحت لواء أهل البيت ومباديء الاسلام التي لم يطالها التشويه .
وأزاء ذلك الواقع بكل توصيفاته الفكرية والعمليه و السياسية كان على الامام أن يؤدي عملا فاعلا يتناسب مع ما يتصف به إمام مثله ،فالواقع المتردي والبالغ الخطورة يمثل تحديا لإمكاناته ،ولذلك لم يكن ،ووفقا للحسابات المنطقية أن يفكر بعقلية المواجهة السياسية للحكم ، ومن الجدير بالذكر أن الامام عليه السلام لم يكن قاصرا عن المواجهة المسلحة بمفهوم الامكانية الشخصية الشجاعة ،لكن هذه المواجهة ستكون آنية ولا تحقق المراد من إقامة حكم الاسلام الصحيح ، لكن الأوجب ،وكما توصل اليه ذهن الامام عليه السلام عند دراسة الواقع هو أن يعد جيشا عقائديا يؤمن بالاهداف الكبيرة التي ينبغي أن تسود ويحملها الجيش المنشود .
هكذا فكّر الامام الصادق عليه السلام وخطط للإنصراف كليا للعمل داخل الامة ويبني فيها قواعده الشعبية بناء واعيا وذلك لان الطليعة المؤمنة بالفكر والمباديء هي التي تسير سيرا حثيثا بقناعة وإيمان .
ويتعذر علينا في هذه العجالة أن نلم بالانجاز الفكري والعقيدي الذي أنتجه الامام حتى سمي المذهب كله بإسمه ( المذهب الجعفري) ، ولكن الذي نتوخاه من معرفة فخامة الانجاز الجعفري ، وندخره لظروفنا هذه هو القدرة الفذة للامام عليه السلام حين وازن الظروف آنذاك وإستخلص منها إنجازه الذي حفظ به الاسلام من الانحراف ، وسلك طريق الحق ولم يستوحشه حتى خرج بمشكاة الفكر المحمدي القرآني ، وقد وصل في تخطيطه وعمله الفاعل الى تخريج أربعة آلاف تلميذ تشربوا فكر أهل البيت وفي تلك الظروف ، يقول الامام عليه السلام ( رحم الله قوما كانوا سراجا ومنارا ،كانوا دعاة البناء بأعمالهم ومجهود طاقتهم ليس كمن يذيع أسرارنا)
كان النصر في أنشطة الامام عليه السلام في التخطيط والتنفيذ السري من جانب وفي جهاد التبيين من جانب آخر فكانت أهداف التخطيط تترصن بجهاد التبيين ، تبيين الالتزام بسرية النشاط الثوري وتبيين حق أهل البيت بكل مناسبة لا تؤدي الى المواجهة السياسية .
__ كل ما أوردنا من ظروف عاشها الامام وعمل فيها بفاعلية ، هذه الظروف هي نفسها التي تتلاطم اليوم في العالم الاسلامي ولا سيما في بعض الدول الاسلامية وكأن الاعداء فيها يطاردون الامام الصادق عليه السلام .. ،ولذلك فإن مناسبة استشهاده ليست للاحتفالية والاستذكار فحسب ،ولكن لكي نضع أقدامنا على آثار مسيرته الكريمة ، لكي نطعن الطواغيت بقدرات إمامنا ، ونعبر التعبير الصادق والعملي بمنهج إمام المتقين عليه السلام في الحق والحرية والعدالة والكرامة الانسانية .
… هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم تعملون .


ــــــــــــــــــــــ