السبت - 13 ابريل 2024
منذ 10 أشهر
السبت - 13 ابريل 2024


الشيخ محمد الربيعي ||

• الزواج في المنظور القرآني
• قدوة المتزوجين

نأخذ ثلاث آيات من القرآن الكريم لنعرف معنى الزوجية بحسب •المنظور القرآني:
الآية الأولى:
وهي الآية التي افتتحنا بها ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ نلاحظ التعبير القرآني الدقيق، ثلاث مفردات تستحق التأمل:
المفردة الأولى: قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي أن الزواج يعتبر آية من آيات الله، كيف يكون الزواج آية من آيات الله كوجود الشمس وكوجود السماء والأرض ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ يعتبر الزواج آية من آياته، لماذا؟
لأن كلا الطرفين من خلال بيت الزوجية يجسدان القيم الفطرية، الإنسان بفطرته يميل إلى الحب، إلى الرحمة، إلى السكينة، كل هذه القيم الفطرية يجسدها الإنسان من خلال بيت الزوجية، إذن بيت الزوجية تجسيد للجوهر الإنساني الفطري، ولذلك اعتبره القرآن آية من آيات الله.
المفردة الثانية: قوله: ﴿خَلَقَ لَكُم﴾ ماذا تعني ﴿لَكُم﴾؟
الرازي في تفسيره يفسر اللام بلام الانتفاع، ﴿خَلَقَ لَكُم﴾ أي لنفعكم، يعني أن المرأة خلقت لنفع الرجل، أو أن المرأة خلقت لخدمة الرجل، هذا معنى ﴿لَكُم﴾، بينما أغلب المفسرين يقول بأن هذه اللام ليست لام الانتفاع، هذه لام التعدية، فمثلا تقول: هذه الأجرة لهذه السيارة، أي أن هذا جعل لهذا، لا أنه للمنفعة، الأجرة بإزاء السيارة، معادلة بينهما، تقول: هذا الكتاب لهذه المدرسة، أي أن هناك معادلة بين هذا الكتاب وهذه المدرسة.
إذن ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي خلق أزواجا من أنفسكم لكم، بينكم وبينهم معادلة، أنت زوج وهي زوجة، هي كمال لك وأنت كمال لها، لا أن اللام لام الانتفاع.
المفردة الثالثة: ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، بعض المفسرين قال: من أنفسكم يعني من جنسكم، يعني أن الزوج والزوجة من جنس واحد وهو جنس الإنسانية، المفسرون الآخرون قالوا لا، تعبير ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ إشارة إلى عمق العلاقة بين الزوج والزوجة، فكأن الزوجة جزء من نفسه، وكأن الزوج جزء من روح الزوجة، ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ ولذلك قال: ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ لأنها جزء منكم ﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
عندما تأتي إلى قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ما معنى اللباس؟ ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ كما يقول القرآن، متى يحتاج الإنسان إلى اللباس؟
يحتاج إلى اللباس ليحصل على الدفء من البرد، ويحصل على الوقاية من الحر، يعني أن الزواج لباس يقيك من شره الجنس ومن الانزلاق والانحراف، اللباس زينة للإنسان يتزين به، إذن الزواج زينة، زينة الرجل زوجته وزينة الزوجة زوجها، اللباس يعطيك حالة من الدفء، إذن الزواج دفء، المرأة حضن دافئ لزوجها والرجل حضن دافئ لزوجته، إذن التعبير ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ إشارة إلى الستر والزينة، والحماية والدفء، وكل ذلك يتعنون بعنوان اللباس الذي يحتاج إليه الإنسان لهذه المضامين.
ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
إذن من خلال هذه الآيات الثلاث نفهم أن الزواج أو العلاقة الزوجية في الفكر الديني يقوم على عدة معالم:
▪︎المعلم الأول: المعلم العاطفي.
دعم الاستقرار العاطفي بين الطرفين، جاء رجل إلى رسول الله ، قال: يا رسول الله إن لي زوجة إذا دخلت استقبلتني، وإذا خرجت شيعتني، وإذا رأتني مهموما قالت: ما يهمك! إن كنت تهتم لرزقك فغيرك يكفله، وإن كنت تهتم لآخرتك فزادك الله هما، قال : «بشرها بالجنة، وقل لها إنك عاملة من عمال الله ولك في كل يوم أجر سبعين شهيدا»، هذا بالنسبة لمحبة المرأة للرجل، وأما محبة الرجل للمرأة، يقول الرسول : ”إن قول الرجل لزوجته أحبك لا يذهب من قلبها أبدا“، يحتاج الرجل أن يسعف استمرار المودة والمحبة بمثل هذه التعبيرات والمشاعر الدافئة التي تحرك شعور المودة والمحبة بين الطرفين، قلب الزوج وقلب الزوجة.
▪︎المعلم الثاني: المعلم الإنساني.
كيف يتعامل الرجل والمرأة من خلال الأسرة؟
كثير منا يلقي المسؤولية على الزوجة، هي تدبر الأسرة وتدير الأمور، وهي التي تقوم بالطبخ، كله على المرأة، هذا ليس من ميزات الزواج بحسب الفكر الديني أبدا، الفكر الديني يرى الزوجية علاقة تعاون حتى في إدارة شؤون المنزل، يرى الزوجية شراكة حتى في إدارة شؤون الأولاد، الزوجية شراكة وتعاون.
لاحظوا ما ورد عن سيرة علي وفاطمة ، تقاضى علي وفاطمة «ع «إلى رسول الله فقضى لفاطمة ما دون الباب، وقضى لعلي ما بعد الباب، فقالت فاطمة : «لا يعلم ما داخلني من السرور إلا الله وذلك بإكفائي رسول الله تبعة تحمل رقبة الرجال»، كيف تم ذلك؟ الحديث يقول: ضمن علي لفاطمة أن يستقي ويحتطب ويكنس البيت، وضمنت فاطمة لعلي الغسل والطحن بالرحى، إذن هناك حالة تعاون وشراكة بين الزوجين حتى في إدارة أمور المنزل.
▪︎المعلم الثالث: العلاقة الجنسية بين الزوجين.
البعض يخجل أن نتحدث عن هذا الجانب، هذا ضروري وهذا من معالم الفكر الديني، وظيفة الزوجين إيجاد جو جنسي هادئ، العملية الجنسية ليست عملية جراحية يمارسها الطرفان، ليست المرأة دمية يفرغ فيها الرجل شهوته متى أراد وبأي كيفية أراد، بل العملية الجنسية تحتاج إلى محفز عاطفي بالنسبة للمرأة يسبقها، وتحتاج إلى محفز جمالي وإثاري بالنسبة للرجل تسبق العملية، ليكون جوا هادئا يشبع الطرفين ويورثهما العفة والسكينة، والهدوء والاطمئنان.
رأى رجل من أصحاب الإمام الكاظم أن الإمام يخضب لحيته، فقال: ما بالك سيدي؟ قال : «حسن التهيئة لها»، أي أنا أتزين لزوجتي، «أيسرك أن تراها كما تراك؟»، أي هل يعجبك أن ترى زوجتك كما تراك بدون نظافة وتريد علاقة معها؟ تزين لها كما تتزين لك، ونظف نفسك لها كما تنظف نفسها لك، ولذلك يقول : «أيسرك أن تراها كما تراك؟»، قال: لا، قال : «إذن عليك بحسن التهيئة لها».
▪︎المعلم الرابع: تبادل الشعور بالرضا.
أن يشعر كل من الطرفين بالرضا والقناعة بالطرف الآخر، دخل الرسول على علي وفاطمة بعد يوم من زواجهما، وقال للإمام أمير المؤمنين : «كيف رأيت زوجك؟»، قال: «نعم العون على طاعة الله»، وقال لفاطمة : «كيف رأيت زوجك يا ابنتي؟»، قالت: «خير زوج».
عندما يجد كل من الطرفين أنه راض بالآخر ومفتنع بالآخر رغم بعض الاختلافات البسيطة بينهما فهذا معلم من معالم الحياة الهانئة السعيدة الرغيدة.

🔸 *قدوة المتزوجين* 🔸
( الامام علي ( ع ) ، و السيدة فاطمة ( ع ) هم القدوة الحسنة للمتزوجين ، بحيث لو ضمنا في حياتنا الزوجية متصلة بحياتهما كانت تلك الحياة هي حياة الطاعة لله تعالى ، المنطلقة منها احترام الحقوق و الواجبات بين الطرفين ، وهذا اساس السعادة الزوجية التي ستكون مبنية على اساس متوازن مستقر ، من التفاهم والانسجام ، وخصوصا اذا اخذنا الاتحاد و الانسجام بالعقيدة ..
محل الشاهد :
من مظاهر هذا الزواج المبارك للامام علي ( ع ) و سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء ( ع )
• المظهر الأول: مظهر الرضا والقناعة.
الزواج يحتاج كفاءة، يعني أن ينظر الزوج إلى أن الزوجة كفؤ له وليس أقل منه، وتنظر الزوجة إلى أن الزوج كفؤ لها وليس أقل منها، بمجرد أن ينظر الآخر أنه دونه سوف يتعامل معه بروح التعالي والامتنان وهذا يفقد العلاقة الزوجية قيمتها وحرارتها، لابد أن ينظر كل طرف إلى الآخر أنه كفؤ له، وهذا ما كان بين علي وفاطمة ، لذلك ورد في رواية الحسين ابن خالد عن الرضا : ”لو لم يخلق علي لم يكن لفاطمة كفؤ من آدم فما دونه“.
•المظهر الثاني: مظهر المعلم الكمالي.
ماذا يعني المعلم الكمالي؟ يعني أنك عندما تقرأ قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وفي آية أخرى يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ماهو الفرق بين الزينتين، الزينة في المسجد والزينة المذمومة؟
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ يعني أن هناك زينة حقيقية وهناك زينة ظاهرية، الزينة الحقيقية هي أن تنظر للحياة عبرة للآخرة، والزينة الظاهرية هي أن تنظر للحياة مجالا لإشباع الشهوة، علي وفاطمة كانا ينظران إلى الزينة الحقيقية لا إلى الزينة الظاهرية، كيف ينظران إلى الزينة الحقيقية؟
نضرب مثالا: لما تقدم علي لخطبة فاطمة كيف تم الزواج؟ دفع لها مهرا بسيطا 480 درهم، وعندما أراد أن يؤثث بيت الزوجية، قميص، وقطيفة حمراء، وعباءة، وحصير هجري، وقعب للبن، وشن للماء، وقربة لاستقاء الماء، ورحى لطحن الدقيق، وخشبة لتعليق الثياب عليها، وسرير من السعف مزمل بشريط، وفراشان من خيش مصر أحدهما محشو بالليف والآخر محشو بخز الماعز، هذا كل أثاث بيت علي وفاطمة ، أثاث متواضع بسيط جدا جاء به إلى بيته وفرش الأرض بالرمل الناعم، ولما عرض هذا الأثاث على رسول الله وهذه ابنته وحبيبته دمعت عيناه، وقال: «بارك الله لقوم جل آنيتهم من الخزف»، وتم ذلك الزواج، بني على التواضع، بني على النظر للحياة أنها عبرة، بني على النظر للحياة أن الزواج ليس فرصة لإشباع النهم العاطفي كما يرى الغرب، وليس فرصة لإشباع النهم الجنسي كما يرى طرف آخر، الزواج بناء للحياة، الزواج تخريج لأجيال يبنون الحضارة ويبدعون ويعطون، الزواج إخراج لعمالقة أفذاذ كما أخرج علي وفاطمة .
•المظهر الثالث: المعلم الإنساني.
كيف كانت علاقة الحب بين علي وفاطمة ؟
لو عرضنا كيف يتحدث علي وكيف تتحدث فاطمة ، فاطمة في آخر لحظاتها تقول: «يا ابن العم هل رأيتني خاطئة أو كاذبة أو خالفتك منذ عاشرتك؟» قال: «حاشا لله أنت أبر وأتقى من أن أوبخك»، ويقول علي عنها: «والله ما أغضبتها قط ولا أكرهتها على أمر قط حتى قبضها الله إليه وكنت إذا نظرت إلى وجهها تنكشف عني الهموم والأحزان»، هذه تنم عن عمق العلاقة، علاقة المحبة والمودة بين الطرفين.
•المظهر الرابع: المعلم التربوي.
جسد علي وفاطمة قدوة للأجيال، في مجال تعليم الأجيال على أن الزواج شراكة وتعاون ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ جسد علي وفاطمة التعاون، ضمن علي لفاطمة أن يستقي ويحتطب ويكنس البيت، وضمنت فاطمة لعي أن تغسل وأن تطحن الرحى بيدها، إذن هذا مثال التعاون لجميع الأجيال.
•المظهر الخامس: المعلم الروحي.
ورد عن الرسول محمد : ”العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان“، العقل الصحيح هو الذي يستثمر عالم المادة للوصول إلى ارتقاء الروح وسمو النفس، هذا هو العقل ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ وهكذا كان علي وفاطمة ، يقول الإمام علي لرجل من بني سعد: «أتعرف كيف كانت فاطمة؟» قلت: كيف كانت؟ قال: «إن فاطمة بنت محمد استقت بالقربة حتى أثر في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها وأوقدت تحت القدر حتى دكنت ملابسها فأصابها من ذلك ضر شديد، فقلت لها: يا فاطمة هلا أتيت أباك رسول الله وسألته خادما يزيل عنك ما بك من ضر وحر، فجاءت إلى أبيها رسول الله وإذا عنده حداث فخجلت ورجعت إلى البيت، فلما كان الليل أقبل الرسول إلى بيتنا وكنا تحت لحافنا، فدخل وسلم، قال: «السلام عليكم» قلنا: عليكم السلام يا رسول الله، قال: «اجلسا على مكانكما» فجلس عندهما، فقال: «يا فاطمة ما خبر مجيئك اليوم إلى البيت؟» فاستحت أن تتكلم، فقلت: يا رسول الله أنا أخبرك بما كانت تريده فاطمة، إن
فاطمة كذا وكذا وكذا وقد أصابها ضر شديد فأقبلت إليك تسألك خادما يعينها، فالتفت إليها، قال: «يا بني ألا أخبركما بما هو خير لكما من الخادم؟» قالت: نعم يا أبه، قال: «إذا قمتما إلى فراشكما فكبرا الله أربعا وثلاثين مرة، واحمداه ثلاثا وثلاثين مرة، وسبحاه ثلاثا وثلاثين مرة، فإنه خير لكما من الخادم» فابتسمت وقالت: رضيت من الله ورسوله، رضيت من الله ورسوله»، وكان تسبيح فاطمة الزهراء من المستحبات المؤكدة بعد كل صلاة وفريضة، الذي نهلته السيدة الزهراء من أبيها المصطفى .
أراد الرسول أن يكون علي وفاطمة قدوة في العبادة، شعلة في الارتباط بالله تبارك وتعالى، وهذا ما كان، علي يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وفاطمة يقول عنها ابنها الحسن: «ما رأيت أعبد من أمي فاطمة كانت إذا قامت إلى محرابها لا تنفتل حتى تتورم قدماها من طول الوقوف بين يدي ربها».
أسرة علي وفاطمة أسرة أخرجت الأفذاذ والعمالقة أخرجت الأقوياء والأبطال، من الآباء إلى الأبناء إلى الأحفاد، البطولة تتجلى في أفعالهم وتشرق في أقوالهم، عندما ننظر إلى هؤلاء الشباب يوم كربلاء وننظر إلى أناشيدهم وأقوالهم تتجلى فيهم بطولة علي وفاطمة ، وشمائل علي وفاطمة ….
فعليكم بقدوة المتزوجين
اللهم احفظ الاسلام واهله
اللهم احفظ العراق و شعبه

ـــــــــــــــ