السبت - 13 ابريل 2024

الامام محمد الباقر.. أحبط مكائد السلطة الأموية بعلمه ومعرفته فاغتالته

منذ 10 أشهر
السبت - 13 ابريل 2024


د. جميل ظاهري ||

تفنن بنو أمية الإجرام الدموي والاخلاقي على عهد الاسلام منذ قبل أن يقولها أبو سفيان {يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان مازلت أرجوها لكم ، ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة.. اللهم اجعل الأمر أمر جاهلية، والملك ملك غاصبية، واجعل أوتاد الأرض لبني أمية} – تاريخ ابن عساكر 6 ـ 407 ، وحتى يومنا هذا على يد أتباعهم وشيعتهم ومواليهم في كل بقاع العالم الاسلامي الماضي والحاضر، حيث عان أئمة الهداية الربانية والرسالة السماوية منهم ما عانوه من أنواع الظلم والتعدي والتضييق والقتل؛ بدأت بمخطط اغتيال أمير المؤمنين الإمام علي ومن بعده ولديه سيدي شباب أهل الجنة ريحانتي سيد المرسلين المصطفى محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى اهل بيته واصحابه الاخيار، بين تسميم وتقطيع للأوصال على رمضاء كربلاء في فاجعة عاشوراء التي لم يرحم بنو أمية فيها حتى الطفل الرضيع الذي لم يتجاوز عمره الأشهر الستة.
إجرام بنو أمية لن ينتهي وحقهم على أهل بيت الوحي والتنزيل لم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل أبنائهم الحكام المارقين الخارجين عن الدين والملة المسيرة ذاتها خلال فترة امامة الامام علي بن الحسين زين العابدين وولده الإمام محمد بن علي الباقر عليهما السلام، والذي نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده المفجع الأليم على يد الحاكم الأموي “هشام بن عبد الملك” بعد ملاحقته والتنكيل به والسعي لاغتياله طيلة سنوات حكمه القمعي الدموي ضد الإمام الباقر عليه السلام واهل بيته واتباعه وانصاره فقتل من قتل وشرد من شرد وسجن من سجن، فكانت سياسة عبد الملك واستهدافه الإمام أبا جعفر السبب الرئيس لانتفاضة الشهيد زيد بن علي ونزوله المعركة مع جيش بنو أمية ليستشهد واصحابه الطيبين، فأمر “هشام” بحرق جثث الشهداء وملاحقة تلامذة الامام الباقر في كل بلد ومدينة وديرة وزقاق وبيت.. لكن هذه الاجراءات التعسفية لم تمنع من تنامي الصحوة الاسلامية والوعي الديني لدى الناس.
الامام محمد الباقر كان العامل الأساس والرئيسي في هذه التوعية الدينية خلال تلك الفترة العصيبة التي تلت فاجعة كربلاء الدموية والقمع الأموية المثقل على رقاب أهل بيت الرسالة والوحي وأتباعهم ومحبيهم وانصارهم، حيث قارعها والده الامام السجاد عليه السلام بسلاح الدعاء والعبادة، فيما اتخذ الإمام أبا جعفر منحى نشر وتبيين العلم والمعرفة والتصدي لإنحراف الأمة التي زرع بذورها بنو أمية الطلقاء أبناء هند صاحبة الراية الحمراء، فكان عليه السلام الرائد والقائد للحركة العلمية والثقافية التي عملت على تنمية الفكر الاسلامي وإعادة الأمة الى الاسلام المحمدي بعد أن دفعها بنو أمية نحو الوثنية والقبلية والخضوع والركون للقوي المتجبر المتفرعن مثل يزيد شارب الخمر مداعب القردة قاتل النفس الزكية.
أضاء الامام الباقر الجوانب الكثيرة من التشريعات الاسلامية الواعية التي تمثل الأصالة والإبداع والتطور في عالم التشريع لا تلك الخطوط المنحرفة التي ملأت أركان البلاد الاسلامية حتى يومنا هذا وأدت الى ظهور الفرق الضالة والمنحرفة والبعيدة مثل الحزب الأموي الحاكم والحزب الزبيري والخوارج، وكذا التيارات الفكرية والسياسية المنحرفة مثل حركة الغلاة، وحركة المرجئة، وحركة المجبرة، وحركة المفوضة.. تلك التيارات الفكرية التي اولدت الحركات الإرهابية التكفيرية على عهدنا الحاضر مثل الوهابية والسلفية التي تعيث في بلادنا الفساد وتقتل العباد؛ وهي بعيدة كل كل البعد عن الاسلام المحمدي الاصيل والسنة النبوية الشريفة.. فكان الإمام أبا جعفر عليه السلام بالمرصاد لكل هذه التيارات والجماعات المنحرفة والمزيفة، وردعها بالدليل القاطع والبرهان الثابت وأعاد للأمة أملها ودينها وعقائدها ومرتكزاتها الاسلامية الناصعة، فالتف الناس من حوله ما زاد من مخاوف الأمويين السلطويين وفي مقدمتهم الطاغية السفاح “هشام” فأمر بدس السم للامام الباقر عليه السلام ليستشهد سلام الله عليه يوم السابع من ذي الحجة الحرام سنة 114 للهجرة صابراً محتسباً مجاهداً وشهيداً بعد (19) عاماً من إمامته للمسلمين ودفن الى جوار والده الامام علي السجاد وعمه الإمام الحسن المجتبى عليهم السلام في بقيع الغرقد بالمدينة المنورة.
ولاية الإمام الباقر وإمامته كانت قد بدأت باستشهاد والده الإمام زين العابدين على عهد الطاغية الأموي “الوليد بن عبد الملك” الذي شُغِلَ عن آل البيت (ع) طوال فترة حكمه بتصفية أسرة “الحجاج بن يوسف الثقفي”؛ ثم جاء من بعده الحاكم الأموي “عمر بن عبد العزيز” الذي اتّسمت مواقفه ببعض الإنصاف تجاه أهل بيت العصمة والطهارة فمنع سبّ أمير المؤمنين الامام علي من على المنابر وكان بنو أمية قد اتخذوها سنّة بأمر من “معاوية بن هند آكلة الأكباد”؛ وأعاد فدك سيدتنا فاطمة الزهراء الى الامام الباقر (كانت فدك ملكاً لرسول الله (ص)، لأنها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، ثم قدمها لابنته الزهراء (ع)، وبقيت عندها حتى توفي أبوها (ص) فانتزعها الخليفة الأول ـ على حد تعبير صاحب (الصواعق المحرقة : 38) ـ ولما تولّى الخلافة عثمان فأقطعها مروان بن الحكم على ما قيل ـ (فتوح البلدان : 44) ـ ثم أن الإمام علي (ع) انتزعها من مروان أيام حكمه.. ثم صفت لعمر بن عبد العزيز بن مروان، فلما تولّى الحكم رد فدك على ولد فاطمة (ع).. ثم انتزعها يزيد بن عبد الملك من أولاد فاطمة (ع) فصارت في أيدي بني مروان حتى انقضت دولتهم ( شرح النهج لابن أبي الحديد 16/216).. ثم جاء من بعده الطاغية الأموي “يزيد بن عبد الملك” الذي انصرف الى حياة الترف واللهو والمجون.
استفاد الإمام الباقر من الوضع الأموي المتعثر والانفراج السياسي الحاصل استفادة كبيرة لممارسة دوره الرسالي فاتّبع سياسة تعليمية وتربوية رائدة هادفة لمواجهة الأفكار المنحرفة التي تغلغلت مع اتّساع رقعة الفتوحات، فعمل عليه السلام جاهداً برسالة السماء في تصديه للأحاديث المدسوسة ومواكبة المستجدات واستنباط الحلول لها، ووقف حياته كلها لنشر العلوم الاسلامية ونشر المثل الانسانية بين الناس، وعاش في مدينة جده “يثرب” كالينبوع الغزير يستقي منه رواد العلم من نمير علومه وفقهه ومعارفه، عاش لا لهذه الأمة فحسب، وإنما عاش للناس جميعاً.. فانهال عليه الناس يستفتونه عن المعضلات ويستفتحونه أبواب المشكلات”؛ كما وعمل (ع) على تعزيز المدرسة العلمية والفكرية التي انطلقت في حياة والده السجاد فأصبحت تشدّ إليها الرحال من كل أقطار العالم الاسلامي حتى قال أحدهم: “لم يظهر من أحد من ولد الحسن والحسين في علم الدين وآثار السنة وعلم القرون وفنون الاداب ما ظهر عن أبي جعفر الباقر (ع)”.
ترك الامام محمد الباقر ثروة فكرية هائلة تعد من ذخائر الفكر الإسلامي، ومن مناجم الثروات العلمية في الأرض وفتق أبوابها، وسائر الحكم والآداب التي بقر أعماقها، فكانت مما يهتدي بها الحيران، ويأوي إليها الظمآن، ويسترشد بها كل من يفيء إلى كلمة الله.. امتلأت كتب الفقه والحديث والتفسير والأخلاق بارائه، واستفاضت بأحاديثه بعد ولده الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، فكان يغترف من معين واحد: كتاب الله وسنة رسوله، وما أودع الله من العلم اللّدُنيّ بصفته من أئمة الحق وساسة الخلق وورثة الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله وصحبه الاخيار).. “روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين وصار بالفضل به علما لأهله تضرب به الأمثال، وتسير بوصفه الآثار والأشعار” – سير أعلام النبلاء ٤: ٤٠٣، مختصر تاريخ دمشق 23: 78 ؛ وقال ابن منظور في لسان العرب: “لقّب به لأنّه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه وتوسّع فيه” – لسان العرب 4 / 74.
[email protected]


ـــــــــــــــ