الأربعاء - 17 يوليو 2024

المنتظرون والموقف من الأنانية

منذ سنة واحدة
الأربعاء - 17 يوليو 2024


نصير مزهر الحميداوي ||

بدأ إبليس لعنه الله ما يعرف اليوم (سياسة رفض الآخر والتخلص منه) وهو يعرف أنّ الأمر صادر من الله سبحانه وتعالى، ونسي أنّ حكمة الله البالغة تعمل قال:ابليس لعنه الله عندما أمر الله تبارك وتعالى السجود لآدم وهو يستخف بنبي الله آدم عليه السلام وشأنه (أأسجد لمن خلقت طينا ) امتنع عن السجود ورفض أمر الله تبارك وتعالى ومن هنا: بدأ العداوة لآدم وأبنائه، قال الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، مازال إبليس لعنه الله يجترئ على الله تبارك وتعالى كبراً واستكباراً وإستخفافاً لأمر الله، مازال يزاول ويثابر رفض أمر الله تكبراً وإعجاباً لنفسه الخبيثة و الشريرة.
قصة آدم عليه السلام وابليس عليه اللعنة نموذجا، قال الله تعالى في سورة البقرة﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) بدأ إبليس لعنه الله أن يستنكف ويستكبر ويحقر آدم عليه السلام ويقول أنا أنا، حقداً وحسداً من عند نفسه، وهما من الأمراض الخطيرة المنتشرة في المجتمعات وبدايتهما الأنانية، مشاكل المجتمع سواء كانت نفسية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وحالات الصراع والخلافات في المجتمع والأسر والعشيرة والمجموعة الواحدة تعود إلى الأنانية وعبادة الذات والعقل التسلطي، ولهذا لا ترى في العالم الإسلامي بلداً واحداً ينجو من هذا المرض، أغلبها مدمرة و منهوبة من قبل فرد او فئة خائبة، يستخدمها ويعلمها إبليس لعنه الله الذي هو مؤسس الأنانية.
الأنانية أشد مرضا على وجه الأرض، وهي أخطر من الأمراض الفتاكة لأنّ المرض يصيب و ربما يموت بسببه فرد واحد أو تموت نفس واحدة لكن الأنانية تستأصل جذور مجتمع كامل او مجموعة كاملة حتى لا ينجو منه إلا قليلا، إنّ هذا المرض المفسد أصبح عقبة كأداء تعوق أمام دعاة الخير في كل بقاع الأرض، و بين المشرق والمغرب، وبين الشمال والجنوب حتى أثر وأفسد على من يجب أن يكون قدوة حسنة للمجتمع المسلم، الشخص الأناني هو الذي يحب نفسه ولا يهمه من حوله ويسعى دائما إلى تحقيق رغباته فقط حتى لو كانت على حساب الآخرين، عند وصول الشخصية الأنانية إلى منصب القيادية فإنه يحاول أن يصل إلى مكاسبه الشخصية وطموحاته بغض النظر عن العالمين معه حتى لو عرضهم للخطر، عند تحقيق أهدافه لا يظهر منه أدنى احترام وحياء للآخر لماذا ؟ لأنه وصل حيث أراد ان يصل وهذا أمر مذموم في الشريعة الإسلامية، عامل الناس ما تحب ان يعاملوك .
عدم الوفاء بالعهود والمواثيق مبررا أنه نسي أو لم يتذكر وقت عقودها يرى أحقية مصالحه دون مصالح الآخرين، حتى محافظة النفوس يرى نفسه فوق نفوس الآخرين، لا يقبل الشخص الأناني النقد البناء وغالبا ما يلجأ للغضب والانزعاج عندما يواجه معارضة لأفكاره من قبل الآخرين ،حتى وان كان الحق مع معارضيه، ولا يحب الاعتراف بالخطأ ويظن نفسه دائم الصواب وأنه من المعصومين عن الزلة والمعصية، وهو يجهل بأن الاعتراف بالخطأ دليل على احترام عقول الناس، ولا يعرف احترام الآخرين والإنصات اليهم وتقدير آرائهم لا يحب إلا لنفسه ولا يهتم إلا لذاته، مبدأ الأنانية وعشقه السيطرة والتملك على غيره، يحب دوما ودائما ان يعامل الآخرين ما لا يحب ان يعاملوه.
الأنانية من الصفات السيئة التي يتصف بها البعض، وهي ليست من مكارم الأخلاق بل مناقضة لها، وتعني تركيز الشخص على نفسه وإعجابه بها بشكلٍ مبالغٍ فيه، والتركيز على المصالح الشخصية وتجاهل مصالح الآخرين، وهي من أنواع النرجسية التي تجعل الشخص يظن نفسه محاطًا بهالة مختلفة عن الآخرين، ويفضل نفسه عليهم، ويُصنف علماء النفس الأنانية كنوع من الاضطرابات الشخصية، وذلك لتأثيرها الكبير على تصرفات الشخص، وطريقة تعامله مع الآخرين، ومن سوء حظ البعض أهم يرتبطون بأشخاص أنانيين سواء في علاقة زواج أو صداقة أو عمل اوغير ذلك، مما يولد الكثير من المشاعر السلبية والحيرة في طريقة التعامل المناسبة معه.
جاء الإسلام ليرفع عن المسلم كل صفات الأنانية، وحب الذات، ويستبدلها بالإيثار، ومحبة المؤمنين، ولأن أمة الإسلام التي رباها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي الأسوة فقد تميزت بكرم الخلق، وحسن المعاملة، والتخلص التام من عنصرية الجاهلية، والأنانية المفرطة، والكبرياء والتعالي وحب الذات، وجاء الإسلام ليخلصنا منها بالمؤاخاة، والإيثار، لنصل إلى مرحلة القوة والاتحاد، ولقد نهى الإسلام المؤمنين عن اتصافهم بهذه النقيصة المقيتة (الأنانية)، وحثهم على الإيثار وشجعهم على فعل الخير وعلى نكران الذات في سبيل نفع المجتمع والمصلحة
العامة، وانتشر الإسلام بهذه الروح السامية الخيرة فأنكر على الأكاسرة ملوك الفرس وعلى القياصرة ملوك الروم لإتباعهم نهج الأنا والظلم حتى زال ملكهم وتهاوت عروشهم، فلا مجال في الإسلام لأي نوع من أنواع الأنانية، ومن أضرارها، فبها تحل النقم، وتذهب النعم، والانانية دليل على دناءة النفس وخستها، وهي معول هدام، وشر مستطير، وتجلب الخصام والنفور، وتؤدي إلى انتفاء كمال الإيمان، وقد تذهب بالإسلام، وتبث اليأس في نفوس ذوي الحقوق، وبها يضيع العدل، وينتفي كرم الخلق، ولذا ينبغي على المؤمن الحق التخلص من هذه الصفة المذمومة وألا يؤثر من لا يستحق على من يستحق وعلاجها لا يكون إلا بالإيثار بأن يقدم الإنسان حاجة غيره من الناس على حاجته، برغم احتياجه لما يبذله.
المؤمِن الحقيقي هو من يتجنب السلوكَ الأناني، ويتخطى منافعهُ ومصالحه الشخصية عبر العطاء وعبر المواساة والمؤازرة لإخوانه ومعارفه، قال الإمام الصادق عليه السلام (لا يكون المؤمنُ مؤمناً أبداً حتى يكون لأخيه مثل الجسد، إذا ضرب علَيه عرق واحد تداعت له سائر عروقه)

ـــــــــــــــ