الأربعاء - 21 فيراير 2024
منذ 7 أشهر


عبدالملك سام ||

بمناسبة حلول يوم عاشوراء، وذكرى فاجعة كربلاء التي أستشهد فيها الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وثلة من أهله وأصحابه، فنحن نهنئ بهذه المناسبة الأليمة كل مجرم ومجرمة، وكل طغاة العالم، بل ونهنئ أبليس اللعين بنفسه، ونقول لهم بأنهم قد أنجزوا عملا كبيرا وغير متوقع، وأعتقد أن أبليس نفسه لم يكن ليخطر بباله أن ينجز أتباعه عملا بهذا الحجم، بل وأن يستطيعوا أن يضللوا على أمة بكاملها مقتل أبن نبيها ولقرون عديدة، وأن تظل هذه الأمة في حيرتها وغفلتها وأختلافها حتى اليوم!
بالتأكيد، آن لأبليس أن يضحك ملء شدقيه، وأن يفاخر ويشرب نخب هذا الإنجاز اللعين؛ كيف لا وهو من شعر بالخوف والقلق يوم بعث الله نبيا عربيا من بني هاشم للعالمين؟! يومها ظن أن أيامه معدودة، وأن سعيه وصل لمنتهاه، وأن هي إلا بضع سنين وتحسم الحرب بينه وبين بني أدم التي بدأت قبل قرون! وكم كان يواسي نفسه بما أنجزه خلال مسيرته الشيطانية من إغواء ملايين البشر، وما حققه عندما أضل الغالبية منهم حتى يكون مصيرهم كمصيره في نار جهنم ليرافقوه في رحلته السرمدية في السعير، وبهذا فقد أنتقم من أدم وذريته، وشفى غليل حقده عليهم!
بالتأكيد أنه لم يشعر بالراحة أبدا طوال حياة النبي (ص)، ورغم أنه بين الفينة والأخرى كان يحقق بعض الإنجازات، إلا أنها كانت سرعان ما تضيع سدى وتشعره بالقهر وهو يرى رقعة الإسلام تتسع شيئا فشيئا، وأكثر ما كان يقظ عليه مضجعه هي “فكرة الأستمرارية”، فالنبي محمد (ص) من البشر، وقد عانى الأمرين في حياته، وأبليس يصبر نفسه بأن يوم رحيل هذا النبي يقترب مع كل يوم يمر، ولذلك فلا بد له أن يكابر وينتظر وفاته، وكل ما عليه هو أن يعمل جاهدا على منع مواصلة هذا الجهد الكبير بعد وفاته، وكم شعر بالرعب يوم “غدير خم” الذي وجه فيه النبي أمته إلى سبيل ضمان أستمرار دعوته من بعده!
لقد عمل أبليس بجد منذ البداية، ولكن يوم وفاة النبي (ص) كانت لحظة فارقة تحركت فيها أطماع البشر وأسست للأختلاف الذي سيستمر بعد ذلك لقرون، ورغم أن الخلاف بدأ قبل ذلك الحدث، إلا أن تأثيره كان محدودا، ولا يشكل خطورة في ظل تمسك الأمة بحكم نبيها، وكان لابد من أن يتم فصل هذه الأمة عن قيادتها حتى لا تؤثر في باقي الأمم، وقد أوجد أبليس أعوانا لتحقيق هذه الغاية عملوا على تقديم بدائل لقيادة الأمة بعيدا عما أمرهم نبيهم به! وتوالت الأحداث والنكبات منذ تحقق لإبليس ما أراد، وما تزال الأمة حتى يومها هذا تعاني من تبعات هذا المخطط الشيطاني اللعين رغم ما عاينته من آثار مدمرة أوقعتها في شر تفريطها دون أن تهتدي لسبيل خلاصها، بل والأنكى أن أبليس أستطاع أن يقنع الناس بالإبتعاد عن طريق النجاة الواضح النقي الذي دلهم النبي (ص) عليه بمبررات لا تتفق مع عقل أو نقل!
لقد أستطاع أعوان الشيطان أن يقتلوا الأنبياء والصالحين الآف المرات، ولكن الخطورة تكمن هذه المرة أنها تأتي بعد رحيل النبي الخاتم، وهذا ما يجعل تمكن الشيطان يحسم الأمر تماما كخاتمة للمعارك التي دارت بين الخير والشر منذ خلق الله أدم وحتى آخر مولود بشري! ويوم أستشهد الإمام علي (ع) تأكد لإبليس أنه يستطيع أن يقتل محمدا (ص) بطريقة غير مباشرة عبر قتل كل من يستطيع أن يقود هذه الأمة على نهج محمد؛ فنهج محمد (ص) هو ما يضمن القضاء على الإختلاف في صفوف الأمة التي أختارها الله لتبلغ رسالته إلى البشرية جمعاء، هذه البشرية التي بلغ تعدادها اليوم بالمليارات، والتي تعيش عصرا من التضليل لم يسبق له مثيل عبر التاريخ!
مذبحة كربلاء كانت بداية لسنة شيطانية ستتكرر عبر التاريخ الذي تلاها، فمقتل الوصي وأبنه الحسن (ع) تم بالخداع والمكر، أما مقتل الحسين (ع) فتم بطريقة علنية مفجعة، وبمشهد وبصمت الأمة، ولذلك رأينا ما بعدها ليس كما قبلها، فقد أستبيحت المدينة، وأفني البدريون عن بكرتهم، وأستبيحت الأعراض والأموال، وقتل الثائر والساكت والراضي والساخط، وأحرقت الكعبة، ونكل بالمسلمين، وثأر المجرمون لأسلافهم من الإسلام، وتولى أمر المسلمين جماعة من الكفار والفاسقين الذين توارثوا الظلم جيلا بعد جيل، بينما تم قتل الصالحين والتنكيل بهم وملاحقتهم حتى وصلت الأمة إلى أحط مقام بين الأمم، وصارت كما كانت مجرد “قصعة” تتناهشها باقي الأمم التي تنظر إليها بإزدراء وأحتقار، كيف لا وهي من ضيع سبيل عزتها، وتنكرت لشريعة ربها، ووصايا نبيها؟!
نحن نتذكر عاشوراء حتى لا تنسى الأمة سبب ما هي عليه من الذل والهوان، وحتى لا يظل الناس غافلين عن أسباب معاناتهم، وأن يعرف الناس أن لا مخرج لهم من هذا التيه الذي يدورون فيه إلا بالعودة إلى ما قبل جريمة كربلاء، فقد سفكت في هذا اليوم دماء زكية طاهرة خطت على أرض كربلاء وصية النبي (ص) لأمته، وبوقوفنا اليوم ضد الطاغية يزيد سنتخلص من حكم من على شاكلة يزيد، وبالعودة إلى كربلاء ووقوفنا مع الإمام الحسين (ع) سنقف مع رسول الله (ص) الذي قال: “حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب لاحسينا”، وبذلك سنكون ممن أحبهم الله، ولينصرن الله من نصره.. هيهات منا الذلة.

ـــــــــــــــ