الأربعاء - 17 يوليو 2024

محمد شريف أبو ميسم ||

كنا قد أشرنا في مقالات سابقة الى ان ملامح الدولة التي يتم التأسيس لها في بلادنا باتت تتطابق مع ملامح الليبرالية الجديدة التي تحل فيها سلطة رأس المال محل سلطة الدولة بدعوى الحرية التامة والملكية المطلقة، في وقت كنا نطالب فيه وعلى مدار عشرين عاما بتحديد شكل نظام اقتصاد السوق، وعدم الخلط بين شكله الاجتماعي القائم على الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص ، وشكله الليبرالي الذي تتخلى فيه الدولة عن وظائفها لصالح الرساميل بموجب ما سمي ببرنامج الاصلاح الاقتصادي الذي فرضته شروط المديونية على مدار العقدين الأخيرين، في وقت كانت خطوات التكيف الاقتصادي تشير إلى الانزلاق باتجاه الشكل الليبرالية، في وقت قدمت فيه الحرية المنفلتة على انها موضع تقديس واحترام، ليس لأنها مطلب جماهيري، بل لأن هيكل الدولة الليبرالية مبني على أساس ضمان الحرية والملكية الفردية، التي تتمتع بها سلطة الرساميل، وهي تدير شؤون الحياة، وبالتالي لا يمكن تشريع قوانين تتنافى مع الحرية التي تمنح بموجبها السلطة لصالح الرساميل، بوصفها روح الدولة الديمقراطية الضامنة لحقوق الانسان ولا يحق للتشكيلة السياسية أن تنتزع هذه الحرية من الأفراد.
من جانب آخر فان سلطة رأس المال في النظام الليبرالي، التي تحل محل سلطة الدولة بعد خصخصة وظائف هذه الأخيرة، هي التي تقوم بتمويل الوعاء الضريبي المسؤول عن الانفاق في الموازنات الحكومية، ولم تشهد تجارب النظم الليبرالية بالعالم إن قامت سلطة الرساميل بتمويل مؤسسة حكومية غير منتجة في زمن السلم، فضلا عن أن ملفات الدفاع والداخلية عادة ما تقوم عليها شركات العولمة الأمنية بإشراف الدولة عبر التعاقد مع هذه الشركات.
وفي كل مرة تتصاعد التصريحات بشأن اقتراب تقديم قانون التجنيد الالزامي للبرلمان، كان ثمة أمر ما يؤجل وصول مسودة هذا القانون الى البرلمان، حتى وصلنا الى مرحلة كان الحديث يدور فيها عن خلافات بين القوى السياسية بشأن مواد هذا القانون، وكأن هذه القوى السياسية ليست على علم بما ينتظر هذه البلاد، حتى وصلنا عبر تصريح نيابي في الاسبوع الماضي الى (ان قانون التجنيد سيؤجل لثلاث سنوات قادمة بسبب الخلافات، وانه في خضم تجربة وزارة الداخلية في التعاقد مع اكثر من 30 الف منتسب لفترة زمنية محددة ، فان من المرجح اللجوء الى هذا الخيارا ليكون بديلا عن التجنيد)ّ.. فهل سننتهي من ترنيمة التجنيد الالزامي؟.