الأربعاء - 12 يونيو 2024
منذ 9 أشهر
الأربعاء - 12 يونيو 2024

طالب الأحمد ||

ذات مساء رأيت صديقاً فارقته منذ سنوات وهو يغادر إحدى المجمعات التجارية واضعأ على عينيه نظارة سوداء قاتمة، وتمسك بذراعه امرأة كأنها تقوده لمعرفة الطريق..
سلّمت عليه وفوجئت بأنه لم يعرفني لأول وهلة كأنه لم يرَ وجهي.
وقبل أن تفيق دهشتي أخبرني مبتسماً بأنه فقد بصره في الحرب على الإرهاب.
تألمت لحاله بقدر ما أكبرت تضحيته..تلعثمت الكلمات في فمي ولم أجد تعبيراً مناسباً لمواساته..وكما لو أنه رأى بقلبه تألمي وإرتباكي، قال لي والإبتسامة الجميلة تواصل إشراقتها على محياه:
– فقدت بصري من أجل الوطن وأنا في عنفوان الشباب.
ثم أردف بكبرياء:
-لست حزيناً فقد وجدت الزوجة التي جعلتني أرى الدينا بعيون جديدة.
ضغط بكفه على كفها تعبيراً عن الإمتنان ، وتابع حديثه:
-إنها امرأة مجاهدة، وربما جهادها أعظم عند الله من جهادي.
ابتسمت الزوجة التي كانت تحتضن كفه بحنان باذخ، وقالت لي بإنشراح:
– ليس لي سواه..إنه حياتي كلها.
بعد ذاك اللقاء بفترة قصيرة صادفت شاباً ضريراً يرقد في دار خيرية لرعاية المعاقين..سألت عن سبب فقدانه للبصر فقالوا لي : أحبّ زميلة له في الجامعة وهام بها عشقاً.. بعد التخرج فوجيء بهجرانها له وزواجها من رجل آخر، لم يحتمل الشاب الصدمة فأدمى عينيه !.
غادرت المستشفى حزيناً فقد إستنزف حال الشاب الضرير ذكرياتي عن مفارقات ثنائية الغرام والهجران، وما أكثرها في مجتمعنا.
قلت في سرّي : ما أعجب المرأة..بيدها مفاتيح سعادة الرجل، فبوسعها ان تهب الضوء للأعمى..وبوسعها ان تسلب الضوء من البصير!.