الثلاثاء - 23 يوليو 2024
منذ 10 أشهر
الثلاثاء - 23 يوليو 2024

مشاكل العشيرة

ضياء المياح ||

اجتمع أولاد العم الثلاث ليناقشوا ما آلت إليه حال عشيرتهم التي كانت فخذا في عشيرة والتي أصبحت هي الأخرى بدورها قبيلة. ابتدأ هذا في التسعينات من القرن الماضي، وكان هؤلاء الثلاثة يكتبون في الصحف المحلية بصورة مباشرة وغير مباشرة عن أفعال رئيس القبيلة وشيخ العشيرة التي أساءت لتاريخهم العريق وسمعتهم الطيبة وجعلت قيمتهم الاجتماعية تنخفض تدريجيا بين القبائل والعشائر والأفراد.
كانت المطالبة بدفع الالتزامات العشائرية (الفضل والفصل) واجبة التنفيذ عليهم وعلى جميع أفراد العشيرة وغير قابلة للتأخير كأنها قانون إلهي، أما إذا صادف أحد أفراد العشيرة مشكلة مع أحد من عشيرة أخرى وأحتاج سند العشيرة، فإنهم كانوا يتباطؤون بل ويتمانعون في المساعدة المحدودة، وقد يتركون هذا الفرد لوحده في مهب الريح يواجه خصومه بنفسه دون معين. لهذا كان على ابن العشيرة الذي يعي هذا الأمر أن يتصرف بعقلانية، فيكون مسالما مع الاخرين ويمشي بجانب الحائط ولا يرفع صوته بوجه أحد ويخطط لإقامة علاقات طيبة مع الجميع لعلها تنفعه مستقبلا.
كانت اجتماعات الكتاب/الصحفيين/الإعلاميين أولاد العم الثلاثة مستمرة. هم متفقون في تشخيص الحالة وأهم أسبابها التي تتركز في شيخ العشيرة الذي لا يستحق أن يكون شيخا، فهو ليس شيخا بالنسب ولا هو رفيعا بالأخلاق، ولا مشهودا له بالشجاعة والقوة، ولا صاحب حق، ولا متحدثا لبقا يأخذ حق أفراد عشيرته، هو شخصا يفكر في نفسه وبمظهره أمام العشائر الأخرى وله أراض واسعة يريد زيادة توسعتها داخل البلد وخارجه ولديه من الماشية والدواجن ما يصعب حسابها، ويختصر الطرق للحصول على المصالح والمنافع بشتى الوسائل وان خالفت أحكام الله أو تضرر منها أبناء العشيرة أو اعترضوا فيما بينهم. يقرب إليه مؤيديه والمتملقين له ويحاول إرضاء رئيس القبيلة والقبائل الأخرى ولا يهتم لأفراد عشيرته البتة.
استمرت مناقشات أبناء العم الثلاث لسنوات آملين أن يحدث تغييرا جوهريا لعشيرتهم ولأوضاعهم فيها. هم كانوا مختلفين في الرؤية للتغيير المرتقب الذي لا يقدروا عليه ويعتبرونه أمرا مستحيلا. وغالبا ما كانوا ينهوا اجتماعاتهم وهم يتمتمون بكلمات؛ الله هو القادر على تغيير الحال.. الله كريم.. خلوها على الله. لقد وصل الأمر حدا بدأ فيه معظم شباب العشيرة من الذين لا حول لهم ولا قوة يفكرون بالهجرة إلى بلدان أخرى هربا من واقعهم المرير، في حين أن أخرين من رجال العشيرة ممن يجيد التعامل مع تقلبات الظروف يمكنهم أن يكيفوا أوضاعهم ليستفيدوا من كل الأحوال قديمة كانت أم استجدت وهؤلاء يؤيدون أو هم راضون عما يجري داخل العشيرة.
في اخر اجتماع للكتاب أبناء العم الثلاثة، وصلت الأمور إلى طريق مسدود حينما احتدت مناقشاتهم وارتفعت أصواتهم ثم صراخهم وهم يتداولون الحلول للخروج بالعشيرة من مشاكلها المستعصية. هذا يقول؛ لا ينفع معنا حلا واخر يقول نحن افراد عشيرة متخاذلون والثالث يصيح بل نحن جبناء. ثم فكروا هل يستمروا في الكتابة أم يغيروا مواضيعهم ام يتوقفوا!! صاح الأول؛ ما فائدة كتاباتنا؟! وصرخ الثاني؛ لا.. لا، بل نستمر ونستمر في الكتابة حتى التغيير، وأردف الثالث؛ لنتوقف. وهكذا انهوا اجتماعهم وأولهم يتمتم بيأس؛ لا فائدة.. لا فائدة من كل شيء، بينما ظل الثاني يردد؛ سأستمر.. سأستمر، في حين أعلن الأول أنه سيغير كتاباته وسيرضخ للأمر الواقع.
بعد أشهر وردت أنباء من العشيرة تفيد بان الكاتب الأول صعد إلى أعلى بناية في البلد ورمى بنفسه منها إلى الأرض منتحرا. وأستمر الكاتب الثاني بالكتابة وبنفس طريقته المباشرة، لكنه توقف نهائيا لأنه وجد صريعا قرب داره بسبب الذبحة الصدرية والجلطة الدماغية التي تعرض لهما. أما الكاتب الثالث، فلم يتوقف عن الكتابة نهائيا بل بدأ بكتابة المديح لشيخ العشيرة ورئيس القبيلة وقد حصل على أرض زراعية مساحتها خمسون دونما بالقرب من النهر مع مائة وخمسون رأس غنم وعشرين بقرة كهدية من شيخ العشيرة.