الخميس - 18 يوليو 2024
منذ 10 أشهر
الخميس - 18 يوليو 2024

حسين القاصد ||

 

تذكرت بعد أن نشرت صور حفيداتي ( الملاذ والقمر وحور) وهن يضعن الخطوة الأولى في حياتهن الدراسة، تذكرت كيف كانت بداية الرحلة لي.

أما ( الرحلة) فنحن ننطقها بفتح الراء ونعني بها كرسي التلميذ، ولم يخطر ببال أحد أن ( الرحلة) التي يجلس عليها التلميذ هي القطار الذي سيجتاز به محطاته الدراسية؛ لذلك هي فصيحة بكسر الراء، لكنها جرت مجرى العامي بعد أن فتحنا راءها ( تواضعيا)، لأن هذا الكرسي ( الرحلة) سيحمل التلميذ إثنتي عشرة سنة ليتحول اسمه إلى كرسي في مرحلة البكالوريوس ثم إلى ( مقعد) في الدراسات العليا.

أما ( الراشدي) فهو من الفصيح الذي تصرفت به العامية، فهو من الرشد والإرشاد، وهو، عندنا في العراق، يعني ( الكف) عند المصريين، وفي كلتا التسميتين يعني الصفعة على الخد باليد.

قبل أكثر من خمسة وأربعين عاما دخلت المدرسة الابتدائية بصحبة والدي رعاه الله، وكانت بداية ( الرحلة) حيث معلمنا الأستاذ إدريس ( رحمه الله)، وحدث أن كلفنا بواجب يومي، وهنا بدأت محنة من لا أخ أكبر لديه، لأني أكبر أخوتي، فلا أحد يعينني أو يشرح لي المطلوب في الواجب البيتي.

ذهبت للمدرسة في اليوم التالي ولم أكتب الواجب البيتي فصفعني المعلم ب (راشدي) جعلني أدور حول نفسي مرتين ثم أسقط أرضاً؛ قلت سأعود للبيت وأشكوه لأبي، لكني ما أن أخبرت أبي حتى صفعني هو الآخر براشدي يعادل عشرة أضعاف صفعة المعلم، وكان عذره أني لم أتعلم جيدا!.. يا إلهي.. ممن أتعلم وكيف أتعلم وأنا في أول يوم لي في المدرسة، حتى أني لم أنعم بفرحة القميص الأبيض والبنطال الذين اشتراهما لي أبي من شركة (لنگ ستار) هكذا كنت أقول للأطفال الذين معي، وانا لا أعرف شيئا عن هذه الشركة! سوى أني سمعتها من والدي.

في اليوم التالي أعطانا المعلم واجبا بيتيا، وكي اتجنب قليلا من الصفعات طلبت من والدي أن يساعدني؛ لم أكن أعلم أنه رجل أمي، فقام والدي بكتابة الواجب لي، فذهبت منتشيا وحين فتش المعلم دفاترنا، صفعني براشدي هو الأقسى لكنه الأكرم في حياتي، فمنه عرفت أن عليّ أن اتعلم بنفسي لأني كتابة والدي لم تكن صحيحة، فتعلمت وصار لي ذلك، وصرت حسين القاصد.

نسيت أن أخبركم أن والدي مرر عليّ اسم شركة (لنگ ستار) متلاعباً بوعيي الخام، ولم يخبرني بأنه اشترى لي الملابس من (اللنگات) التي صار اسمها ( البالات) أيام الحصار الصدّامي، وهي الملابس المستعملة التي يرميها الأغنياء فيلبسها الفقراء .

١٨ / ٩ / ٢٠٢٣