الخميس - 18 يوليو 2024

حسن كريم الراصد ||

في أحدى المرات توفي الأخ الأكبر لصديق لي كان بيني وبينه جفاء استمر لشهور . وقررت حضور مجلس الفاتحة وترطيب الأجواء برفقة أبني الأكبر . وبعد أن ركنا السيارة وترجلت فوجئت بصديقي وقد ترك مكانه في المجلس وجاء للترحيب بي واحتضنني مبالغة بالشكر والعرفان .. ولكن ولدي لم يشهد ذلك بعدما أنشغل بالتأكد من إقفال سيارته .. دخلت مجلس العزاء وسلمت على الحضور وكان صديقي قد ترك مكانه للترحيب بآخرين جاؤوا لتقديم العزاء .

وعندما جلست همس لي ولدي : أرأيت كيف ترك مكانه ليتحاشى مقابلتك والسلام عليك ؟ ضحكت .. وقلت: لكنه رحب بي بحفاوة بعد أن خرج من المجلس أمام انظار الناس ؟! واخبرته بالتفاصيل التي غفل عنها .. أحيانا نحكم على ظواهر الأمور ونعتقد أننا نحيط بالمشهد كاملا وننسى أن أحاطتنا محدود ترى جانب من المشهد ونغفل عن المشاهد الأخرى . .

وحتى أن النراقي رحمه الله صاحب جامع السعادات  يقول : أن قدر رجاحة العقل يقاس من خلال كثرة الاحتمالات التي يضعها أمام كل حادث . فمثلا أن كان هنالك مجموعة من الأشخاص جلوس في مكان ودخل عليهم شخص وقد أصيب بالهلع ليخبرهم أن أسدا مفترسا يجوب شوارع الحي حينها تكتشف رجاحة كل واحد منهم وحنكته من خلال ردة فعله .. فبعضهم سينكر الأمر جملة وتفصيلا وسيقول : كيف أتى أسد لمحلتنا ولسنا في غابة ولا في قرية او بادية ؟ وبعضهم سيتردد في الرفض والقبول .

والبعض الآخر وهم من القريبين للحكمة والتعقل سيقبلون بالخبر ويضعون له عدة أحتمالات ومنها مثلا : أن تكون أدارة حديقة الحيوان قامت بنقل أحد الأسود في الحديقة وتمكن من الفرار عندما مرت سيارة النقل من المحلة ..

وهكذا تقاس رجاحة العقل من خلال  كبر وصغر قائمة الاحتمالات أمام كل حدث غريب وفق قاعدة أن عدم الأيجاد لا يعني عدم الوجود وأن كل ماتراه هو جزء من المشهد ولا أحد يمكنه الإحاطة بالمشهد كاملا بلحاظ وجوده بمكان يعني خلو مكان آخر منه ..

هذا لمن يبحث عن الحقيقة المجردة من الميول والبغض والحب وليس لمن يفتش عن فرص النيل من الخصوم .