السبت - 13 ابريل 2024
منذ 7 أشهر
السبت - 13 ابريل 2024

كوثر العزاوي ||

من المعلوم لدى الجميع، إن حياة الأئمة المعصومين”عليهم السلام” زاخرة بالدروس، غنية بالعبر، وافرة بالعِظات لمن يريد أن يتعلم ويتعظ ويَعتَبر{لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ق- ٣٧.

ولاشك أنّ لكل إمام من آل محمد “عليهم السلام” خصوصية الدور الرسالي الذي ينسجم مع ظروفه وملابسات عصره، ونحن على أعتاب ذكرى استشهاد مولانا الإمام الحسن العسكري”عليه السلام”حريّ بنا أن نقف على ضفافه لنغترف غرفة من طهر عذْبهِ وزاده حياة لقلوبنا، لقد تولّى إمامنا العسكريّ زمام الإمامة بعد وفاة والده الإمام علي الهادي”عليه السلام”وكان عمره الشريف أثنتان وعشرون عاما، وقد استشهد على يد الخليفة الطاغية العباسي”المعتمد” وعمره الشريف ثمان وعشرون عامًا، أي في ذروة الشباب والعطاء، وكان زمن إمامته ستة أعوام فقط، وهذا يجعلنا نقف أمام درسٍ يوضّح أنّ قيمة الإنسان ليست في كِبر سنّه وعدد سنينه، بل وليس فيما يملك من جاهٍ وقوة ونفوذ ورمزية، أو مالديه من ثراء ورهط ومَنَعَة، وإنما قيمة الإنسان واعتباره يكمنان في قربه الحقيقي من الله ومدى علاقته به “سبحانه” وفيما يُنجز من أعمال نافعة مؤثرة ومواقف صادقة تساهم في خدمة الإنسانية واستقامة الحياة وحركة تطويرها في جميع المجالات وعلى كافة الأصعدة، فكم من ذوي  الإخلاص قد رحلوا عن الدنيا وهم في ريعان الشباب وقد تركوا آثارًا ناصعة تهدي إلى الرشد والاستقامة وترتشف الأمة من زلالها معين الحب ومعاني القرب والفناء في الله  “عزوجل” فيما نجد خلاف ذلك مع فئة اخرى ممن حَرصَ على الحياة الدنيا، وركّز همّه الأكبر على طول البقاء فيها لنيل الجاه، بعيدا عن المضمون والدور الذي يلعبه الفرد في الحياة وصِلته برسالتها والرساليين، بمنأى عن الغاية من وجوده فيها، فكم من كبار العمر، وطول العمر نعمة، غير أنهم سببًا لمزيد من الشقاء والألم من فرط الحرص على النفس، وتثبيت الذات على منصات الظهور في مسرح الحياة، فضلا عن المواقف الضبابية التي تترك آثارها السلبية على الفرد والمجتمع، غير مكترث إلى ضرورة العمل الصالح لأجل مشروع السماء العظيم الذي لايحتمل الغفلة والتقصير والرضا عن النفس الأمارة بما توحي لصاحبها أنه على خير والخير كل الخير في نبذ الذات لأجل الله “عزوجل”.

وثمة درس آخر نستخلصه من حياة إمامنا العسكريّ “عليه السلام”: هو رفض الانحراف والظلم والاستبداد والاستكبار والفساد لأن القبول بهذه المعاول إنما هي ضد الفطرة والعقل والدين والضمير والأخلاق، ولكي نأمَن الموج الجارف لمختلف التيارات، لابد لنا من الاقتداء بالأولياء المعصومين “عليهم السلام” ومن هم على نهجهم، لكي نحرز قيادة مؤمنة واعية جريئة في مواقفها تنبثق من خطّ آل محمد “عليهم السلام” تمتلك رؤية دينية وفكرية وسياسية، ورؤية واضحة للأهداف النبيلة، كما تمتلك تخطيطًا محكمًا للحركة المستقيمة لضمان حُسن التربية والإتّباع، وقيادة المجتمع على اساس البر والتقوى ولا تأخذها في الله لومة لائم، وذلك من أجل تحقيق الهدف الأسمى في خط التمهيد للمشروع الإلهي المهدوي المقدس، وللارتباط بآل محمد “عليهم السلام” قيمة عليا

تجعلنا قريبين من منهجهم وخطهم في الحياة، وتحملنا على الاقتداء بهم في السلوك والمواقف والأعمال الصالحة، وبدون ذلك: يصبح الارتباط بهم محض انفعال فاقد للقيمة والمعنى والهدف، ومما يؤسف له، هناك الكثير ممن ضاع في فلك هذه الحياة، فلا يعلم من أين يأخذ الحق وأيّ السبيل أهدى! حتى ابتعد عن المصدر المتمثل في أهل البيت “عليهم السلام” فرأى النجاة في غير سفينة النجاة، وفاتهُ الدرس النافذ النافع للإمام العسكري “عليه السلام” وقد دلّنا على بابه الذي منه الوصول والكمال في قوله: {الفقير معنا خير من الغني مع غيرنا، والقتل معنا خير من الحياة مع عدونا، ونحن كهف لمن التجأ إلينا، ونور لمن استبصر بنا وعصمة لمن اعتصم بنا، من أحبنا كان معنا في السنام الأعلى ومن انحرف عنا فإلى النار} كما شخص”عليه السلام” طبقة من الناس بقوله:{إنما خاطب الله العاقل، والناس على طبقات: المستبصر على سبيل نجاة، متمسك بالحق، متعلق بفرع الأصل، غير شاك ولا مرتاب، لا يجد عنّي ملجأ، وطبقة لم تأخذ الحق من أهله، فهم كراكبِ البحر يموج عند موجهِ ويسكن عند سكونه، وطبقة استحوذ عليهم الشيطان، شأنهم الرد على أهل الحق ودفعٌ بالباطل حسدًا من عند أنفسهم. فدَع مَن ذهب يمينًا وشمالاً ، فإن الراعي إذا أراد أن يجمع غنمه جمعها بأهون سعي}

ومن هنا ندرك، أنّ النجاة من فتن الدنيا هو ركوب سفينة آل محمد “عليهم السلام” والتعريف بنهجهم، واقتفاء خطاهمة، وجعلهم الوسيلة إلى الله والسبيل الى رضوانه ومعرفة خطة مشروع السماء المنتظر، وخدمة الإنسانية والأهداف الإلهية، وبذلك نضمن سلامة النهج المتَّبَع والتمهيد له دون وجلٍ ولاشك ولاريب.

٦-ربيع اول١٤٤٥هج

٢٠-٩-٢٠٢٣م