الأربعاء - 21 فيراير 2024
منذ 5 أشهر

رياض سعد ||

من اهم ما يميز الانسان عن باقي المخلوقات بالإضافة الى العقل ؛ النطق والكلام : فهو وسيلة التواصل والتفاهم بين بني البشر , ولولا الكلام لما استطاع بنو البشر بناء الحضارات وارساء قواعد العلوم والفلسفات والأيدولوجيات المختلفة ؛ فاللغة : هي طريقة التعبير عما يجيش بداخل الانسان , وما يختلج في صدره وقلبه من مشاعر واحاسيس , فالكلمات ان كانت صادقة عبرت عن الحقيقة والواقع وان كانت كاذبة فقد ادت دورها السلبي في تزييف وتمويه الحقائق والوقائع , وقلب الامور رأسا على عقب .
نعم ان الكلمات وجهان مختلفان للنطق الواحد ؛ فأما ان تكون دواء وشفاء او تتحول الى داء عضال ومرض مزمن لا خلاص منه , لذلك ورد في الاثر المنسوب للنبي محمد : ((رَحِمَ اَللَّهُ عَبْداً تَكَلَّمَ فَغَنِمَ أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ … )) … ؛ نعم ان شرف المرء مرتبط بصدق كلامه ؛ لذلك ورد في الامثال الشعبية العراقية : (( الرجل بكلمته ؛ والرجل كلمة , وكلمة الرجل واحدة , والرجل لا يخلف وعده ولا يناقض كلامه … الخ )) ؛ وعليه من الطبيعي ان يتأثر الانسان السوي والمرء الشريف بالكلمات ويتفاعل معها , فطالما غيرت الناس كلمات …؛ فالكلمة الصادقة والحقيقية تعمق انسانيتنا و وعينا وترفع من مستوى ادراكنا وعلمنا ؛ وعندما يفقد الانسان احساسه بالكلمات ولا يبالي بمعانيها فهو والميت سواء … ؛ الا ان الواقع شيء والمفروض شيء اخر , اذ قد يكون مختلف تماما عن الواقع والحقيقة ؛ فقد تتلاعب الظروف القاهرة بمصداقية الكلمات وتغير معناها وتفرغ محتواها من المعاني الحقيقية ؛ ولعل ابيات الشافعي تعبر عن هذه الظاهرة السلبية :
إن الغني وان تكلم بالخطأ ….. قالوا أصبت وصدقوا ما قالا
وإذا الفقير اصاب قالوا كلهم …. أخطأت يا هذا وقلت ضلالا
إن الدراهم في المجالس كلها ….. تكسوا الرجال مهابة وجلالا
فهي اللسان لمن اراد فصاحة ….. وهي السلاح لمن اراد قتالا
ومما تقدم تعرف سر اصرار الطغاة والظلام والمجرمين على تجريد الشرفاء والاحرار من كل مصادر القوة والثروة والنفوذ ؛ وتشريع فقرة مصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة … ؛ ومحاربتهم في ارزاقهم بل وفي أمنهم وحياتهم … الخ .
وقد ابتلى عراقنا بشراذم من القتلة العملاء والمرتزقة الاذلاء ؛ يفعلون ما يأمرهم به اسيادهم من الاجانب والغرباء والاعداء ؛ حتى وان كانت تلك الاوامر عبارة عن هتك الحرمات وقتل النفوس البريئة وتدنيس المقدسات ونهب وسلب الخيرات والثروات … الخ , ويعتقد هؤلاء المنكوسون المجرمون ان الافكار قد تموت بالرصاص والرؤى النيرة تقبر في التراب بعد موت اصحابها , ولكن تأبى الحقيقة الا ان يتم نورها وتسطع اضواءها ولو بعد حين .
وبعض هؤلاء القتلة المأجورون يحسبون انهم يحسنون صنعا ؛ وما من ضحية عراقية تسقط او دم طاهر يراق الا وقد وجدوا تبريرا له وتسويغا لفعله وعذرا شرعيا لارتكابه … ؛ فتارة يقتلون العراقي الاصيل باسم العروبة والقومية والامن القومي , وثانية باسم التمرد والنضال الكردي , وثالثة باسم حماية الدين والمذهب , ورابعة تحت ذريعة الافكار والغزو الثقافي , وخامسة بحجة تماهي المقتول مع رؤى الغرب والحضارة الغربية … الخ ؛ تعددت الاعذار والاغتيال واحد .
وهؤلاء القتلة المتعصبون تساعدهم ظروف مجتمعنا على النمو والتكاثر كالطفيليات الضارة , ففي المجتمعات والبيئات التي تتوجس من الحرية الفكرية وشيوع الحريات الشخصية ؛ يصبح التفكير جريمة بحد ذاته, لاسيما اذا كان الكاتب يغرد خارج دائرة القطيع ويطير من دون سرب الطيور ،بل و قد تتحول الكتابة إلى فعل سيئ السمعة ، ويبدو الكتاب كمسجل خطر، وكاتبه متهمًا مدانًا حتى لو ثبتت براءته.

ومع العلم ان اغلب جرائم قتل العراقيين الاحرار والكتاب الشرفاء والمواطنين الاصلاء ؛ باتت معالمها ظاهرة للعيان، وبإمكان أي محقق متوسط الخبرة أو صحفي استقصائي مبتدئ أن يكشف ملابساتها ، وتحديد العناصر الفاعلة فيها ؛ إلا أن الغريب في الأمر أن الجهات المنكوسة والقوى الاستعمارية النافذة والمسيطرة و وسائل الاعلام التابعة لها ؛ تحاول استغباء العراقيين ؛ وذلك من خلال تعقيد اجراءات التحقيق والمتابعة وتطويل امدها ؛ بالإضافة الى التصريحات المتضاربة و الاقوال المتناقضة بشكل صارخ … ؛ وذلك لإخفاء الحقيقة وتذويب حقائق الجريمة والنأي بالنفس عما حدث , وتقييد الجرائم ضد مجهول او عناوين مكررة ومهلهلة كالإرهاب والاعداء … الخ .
وقد يتبادل الاعداء والمنكوسون الادوار فيما بينهم , وعلى الرغم من اختلافاتهم الظاهرية والجوهرية ؛ فالعراقي الاصيل والكاتب الحر والصوت الوطني يعتبر بنظرهم ظاهرة خطيرة يجب استئصالها من جذورها والقضاء عليها ؛ فهؤلاء الاعداء يجن جنونهم من الثقافة والعلم والمعرفة والوعي والتنمية والوطنية والنزاهة والتحضر والتمدن , وذلك للحفاظ على مصالحهم الاستعمارية وامتيازات عملاءهم واذنابهم وابقاء الاوضاع البائسة على ما هي عليه .
نعم ليس من المستغرب ان يضحي الخونة ببعض احرار الوطن ؛ كقرابين فداء ، وكما يقال : التضحية بالابن البار لتعيش الأم العاهرة … ؛ فالبعض شيمتهم الغدر وعقيدتهم المكر .
وقد يقتل الكاتب الفلاني والحر العراقي ؛ كما قتل قبله آلاف الأحرار , و كما سيموتون بعده الآلاف من محبي الحقيقة والحرية ؛ و لكن سيشهد التاريخ أنهم قتلوا على أيدي الاعداء الأجانب والغرباء والدخلاء ؛ بل وعلى يد بعض ساسة الاغلبية العراقية الاصيلة الذين من المفترض أن يكونوا حماة لهم ؛ وليسوا جلادين ومضطهدين لهم ؛ لمجرد انتقادهم لهم أو تقديم النصح لهم , او تسليط الاضواء على بعض ملفات العمالة والخيانة وصفقات الفساد … ؛ بالامس كان حتى السكوت لا يشفع لصاحبه من بطش صدام ؛ والان ندفع ضريبة الكلام .