السبت - 13 ابريل 2024
منذ 7 أشهر
السبت - 13 ابريل 2024

نعيم الهاشمي الخفاجي ||

 

التحليل السياسي أصبح احد العلوم المهمة في سياسات الدول العظمى والدول الغربية، بل وخصصت الجامعات العالمية كليات متخصصة في تدريس العلوم السياسية.

علماء الاجتماع عملهم دراسة الظواهر الاجتماعية، لذلك أوجدوا فرع من علوم الاجتماع، مخصص لدراسة وتدريس علم الاجتماع السياسي، المحلل السياسي يحتاج دراسة وعمل وجهد كبير، المحلل السياسي يحتاج ان تكون لديه اطلاع واسع في كتب التاريخ بمختلف أنواعه، تاريخ الأديان وتاريخ الحضارات، وتاريخ نشوء الدول وسقوطها، يحتاج قراءة لكل ما يكتبه رؤساء الدول ومستشاري الأمن القومي ومدراء المخابرات والاستخبارات وقادة الجيوش بالدول الكبرى، المحلل السياسي يحتاج قراءة تاريخ ولادة الأحزاب سواء كانت دينية أو يسارية أو علمانية.

المحلل السياسي يجب أن يكون لديه اطلاع عملي ولديه تجربة عملية في النضال من اجل العدالة والمساواة والديمقراطية.

البيئة المجتمعية تلعب دور مهم وحيوي في تنشئة طبقة مثقفة واعية تتصدر المشهد السياسي والثقافي والمعرفي، البيئة الفاشلة التي تعاني من صراعات داخلية دينية ومذهبية وقومية لفترات طويلة من الزمن، والعيش تحت وطأة  الظلم والاضطهاد تتكون، بسبب ذلك الاضطهاد، بيئة مجتمعية ساذجة وجاهلة، لذلك مثل هذه المجتمعات الفاشلة تنتج طبقات تدعي الثقافة والمعرفة وتجد يتقدم أسماؤهم حرف الدال، أو البرفسور، لكن بالحقيقة هؤلاء عبارة عن امعات وجهلة، لا يستطيعون التنبؤ للمستقبل، بل لا يستطيعون معرفة أحداث يوم امس واحداث اليوم الذي يعيشونه، على الكاتب الناجح أن يكون مطلع على كتب التاريخ والفلسفة ومذكرات القادة والساسة بالدول الكبرى، لكي يكون لديه تصور ومعرفة.

خلال تجربتي العملية طيلة حياتي والتي بلغت الستين عاماً، عشت تجارب عملية، وعشت تحت ظل نظام البعث القمعي، وكذلك اربع سنوات سجنت بدول البداوة الوهابية، وعشت ثلاثين سنة في دولة ديمقراطية مصنفة بالمرتبة الأولى على المستوى العالمي وهي مملكة الدنمارك، انتميت بالغرب لحزب دنماركي يساري، رشحت نفسي في الانتخابات البلدية الدنماركية، عشت تحت ظل نظام ديمقراطي وتحت ظل نظام صدام الجرذ القمعي.

عندي تجارب عملية، تحققت الكثير من اعتقاداتي للمستقبل، أتذكر الأخوة بحزب الدعوة الكرام، عقدوا  في كوبنهاكن ندوة قبل شهرين من  سقوط نظام البعث، اتصل بي القيادي بحزب الدعوة المرحوم عدنان الأسدي ثلاث مرات دعاني لحضور الندوة، فعلا لبيت الدعوة، وقام  السيدين ابو الاء والأخ ابو زهراء إياد بنيان شغل منصب مدير نادي الشرطة، بتسجيل الندوة، واكيد لازالت عندهم تسجيل الندوة، انا  تحدثت بالندوة وقلت لهم ان الاساطيل الامريكية والغربية  التي جاءت للخليج هذه المرة تسقط نظام صدام والبعث، فما هو مشروعكم لما بعد سقوط نظام صدام والبعث، ووقتها طرحت رأي نطبق نظام ملكي دستوري، مثل تجربة حكم مملكة الدنمارك،  يكون الملك تشريفي، وكان لدينا شخص من العائلة المالكة المطرودة من العراق، يمكن تنصيبه ملك دستوري، محكوم ومقيد بالدستور، ويكون رئيس الوزراء منتخب شعبيا من المكون الأكبر الشيعي، والبرلمان للاكراد، ونجعل العراق يتكون من عدة أقاليم، ولا بأس بضم الاقليات الشيعية التركمانية والشبكية للاقليم الكوردي وحصر القوى التي ينطلق منها الإرهاب بمحافظة ونصف، وفعلا دفع التركمان والشبك الشيعة ثمناً باهضاً، خلال العشرين سنة الماضية التي تلت سقوط نظام البعث، وقلت للأخوة الحاضرين في ندوة، من كوادر وقيادات  حزب الدعوة الاسلامية أن المحيط العربي طائفي شوفيني يرفض من يحكم العراق الشيعة والاكراد لذلك سوف تحدث عمليات إرهابية…..الخ.

خلال الواقع العملي بعد سقوط نظام صدام الجرذ، تحقق ماتوقعته، من المؤسف  في عالمنا العربي أصبح المحللين السياسيين تتحكم بهم الطائفة والدين والقومية، كنت اتابع قناة الجزيرة بعمليات إسقاط نظام صدام الجرذ، كان المحلل المصري النافق صلاح الدين اسماعيل يحلل عن الصمود، وأن المعركة تطول،  وعندما احتشدت جموع من العراقيين بعد فرار صدام من بغداد وذهابه لحفرة الجرذان، لاسقاط صنم صدام الجرذ بساحة الفردوس، مذيع الجزيرة سأله عن سرعة سقوط بغداد وفرار حكومة صدام، فكان جواب المحلل بالصورة والصوت، انا كنت متوقع سقوط بغداد بسرعة لكن كنت أكذب لكي أرفع معنويات الجيش العراقي هههه نعم قال أكذب، فكيف يكون المحلل كذاب، فكيف يكون الحصول على المعلومة من محلل كذاب، أكيد تكون التحليلات  كاذبة ومشوهة وبعيدة كل البعد عن الحقيقة، لذلك الغالبية العظمى من الكتاب والاعلاميبن والمحللين العرب يمتهنون الكذب والتدليس، وتتحكم بهم  المصالح والأيديولوجيات، لذلك لايمكن الوثوق في كلام الكتاب والمحللين العرب، أن الجامعات العربية والبيئات المجتمعية العربية التي عاشت قرون تحت سلطة دول محتلة،  انتجت لنا طبقات سياسية ممسوخة ومشوهة تمتهن الكذب، لننظر الى الفيالق البعثية كتبت ليل نهار عن مصفى بيجي وأنه بيع إلى ايران، النتيجة  المصفى تم بيعه إلى تاجر كوردي في اربيل وتم إعادة قطع غيار واجزاء المصفى في أكثر من ٢٥٠ شاحنة.

المحللين السياسين العرب تحليلاتهم بعرورية، نشأوا في بيئات مجتمعية فاشلة وجاهلة، وحكمتهم تيارات بعثية وناصرية ووهابية تكفيرية، لذلك النشأة كانت ولازالت مشوّهة، بيئات مجتمعية نخبها يكذبون، لذلك النشوء انتج لنا كتاب ومحللين عرب يفتقرون إلى النزاهة والأمانة العلميّة وغايتهم خداع الناس وتضليل الجمهور العربي.

المحلل السياسي الناجح، يكون محلل لمايراه على أرض الواقع، بل ويجب على المحلل الناجح أن يكون ناصح إلى ابناء قومه، ولا تتحكم بتحليلاته، الخلافات الجزئية،  كتهميشه من قبل الأغبياء والحمقى من أبناء قومه والذين اوصلتهم الأطر الديمقراطية وعن طريق الانتخابات للسلطة، لذلك المطلوب من الكاتب والمحلل السياسي، وخاصة إن كان من ضمن القوى التي ناضلت من أجل إسقاط نظام صدام الجرذ والبعثيين الاراذل أن ينظر للأمور نظرة يقدم بها مصلحة عامة الناس على تهميشه وظلمه وحرمانه من العودة لوظيفته وحتى يتسنى له العودة لبلده العراق، الدفاع عن القيم والأخلاق يجب أن لا يخضع للخلافات الشخصية والحزبية والاختلاف في الرأي.

يجب على المحلل السياسي وخاصة اذا كان يميل اوينتمي إلى حزب أو الفئة عليه أن يفكر في كيفية كسب الآخرين وإشاعة ثقافة التعاون والاتفاق على المشتركات وترك الاختلاف في الجزئات، للاسف خلال تجربتي وجدت الكثير من قادة الأحزاب وبالذات الشيعية وبحسن نية، يقربون أشخاص يكونون مقربين لهم، واجب هؤلاء يكون  تنفير الناس، وبل يحاولون عزل الزعيم السياسي  حتى من اصدقائه في سبيل ينفردون لتحقيق غاياتهم الشخصية، المطلوب تقريب عناصر محترمة خالية من العقد والأمراض النفسية، يكون واجبهم في المكتب الاعلامي لهذا الزعيم أو لهذا المسؤول، بنقل معانات الناس وايصالها إلى المسؤول لانصاف المظلومين وإعادة الثقة مابين السياسي وبيئة المجتمعية.

يفترض بالمحلل السياسي والكاتب والمثقف أن يكون صاحب عقل يجمع به الناس ولايفرقهم، انا كانت رتبتي صغيرة، اقسم بالله اذا مساعد آمر وحدة يذهب مجاز، ويأتي الدور لي، حال وصولي، اجمع ملفات المجالس التحقيقية واتحدث مع آمر الوحدة واقنعه في إلغاء وشطب المجالس والذي عنده هروب وغياب أيضا اتوسط له واساعده قدر الامكان، بدون أي مقابل، ذات مرة جنود تكلموا ضد صدام الجرذ وجندي اسمه زكي، الغبي كان خريج كيمياء  من البصرة، الأخ  هرب من العسكرية وعاد كانوا بوحدة مجاورة، قدموه مذنب إلى آمر وحدته مقدم سني مشهداني، سأله آمر وحدته ليش هربت، كان جواب زكي، والله سيدي فلان وفلان جندي  تهجموا على السيد الريس حفظه الله ورعاه، ولهذا السبب هربت،  النتيجة اتصل في ضابط استخبارات اللواء، وتم اعتقالهم،  جاءتهم المخابرات والاستخبارات من بغداد،  وبدأ البسط والتعذيب، سبق لي أن ذكرت القصة بالتفاصيل، وبمبادرة شخصية مني استعملت عقلي بخطة جهنمية انتهت في إطلاق سراحهم، وتم سجن الملعون زكي، سبق لي نشرت تلك القصة بشكل مفصل في إحدى مقالاتي السابقة.

هناك حقيقة، ساحتنا العراقية، باتت  ساحة للصراعات مابين الدول العظمى وللاسف في أدوات عراقية محلية، لذلك  الأزمات السياسيّة هي جزء من صراع الإرادات السياسيّة في عالم اليوم، عندما اتصفح مواقع التواصل اقرأ تغريدات لشباب شيعة عراقيين من الاخوة بالتيار يتهجمون على إخوانهم في الدين والعقيدة والمظلومية يصفوهم في الذيول والولائية، وفي الحقيقة انا انظر للامور بعقلية يسارية، انا لا ارى وجود فرق ما بين التيار الصدري واخوانهم في أحزاب  الإطار الشيعي فهم نتاج مدرسة واحدة، ونتاج مرجعية واحدة، التيار الصدري وكل أحزاب الإطار يتبعون مرجعية الشهيدين الصدرين رضوان الله عليهم، الاختلاف شكلي وليس جوهري،  بل انا شخصيا  أرى المرجعية العليا مكملة لمرجعيات الولاية السياسية، بل يمكن للمقلد أن يجمع ما بين المرجعيتين، يأخذ أمور الدين والأمور الأخرى المهمة من المرجعية العليا، والأمور السياسية من مرجعيات دينية شيعية سياسية.

نقطة ضعف أحزاب الإطار الشيعية العراقية تكمن بنقطة واحدة، معظم البيئة الشيعية الحاضنة تتبع المرجعية العليا، لذلك المطلوب إيجاد تنسيق مابين المرجعية الشيعية العليا واعني حث المقلدين وهم الجمهور الواسع في اخذ القضايا السياسية من مرجعيات تعمل في العمل السياسي بفترة غيبة الإمام المهدي الكبرى، من مصلحة الجماهير الشيعية العراقية وجود مرجعية سياسية تسير وفق العمل السياسي، وايجاد ثقافة لدى الجماهير الشيعية العراقية في الجمع لدى المقلدين بين تقليد المرجعية العليا في الأمور الدينية العامة وإمكانية العودة للأخذ الأمور السياسية من مراجع يؤمنون في نظرية ولاية الفقيه السياسية، المطلوب تنظيم الصفوف وإلا القوى المعادية تعمل على تدمير المكون الشيعي العراقي من خلال النفاذ إليهم في الصراعات البينية.

المحلّل السياسي الناجح هو صاحب تجربة عمر طويل، أفتى حياته  في  القراءة والمتابعة، فهو قارئ ومتابع وصاحب تجربة عملية، لذلك المحلل السياسي الناجح فهو يأتي في معلومات ورؤى أكيد مفيدة، ينبغي الاستفادة من أطروحاته وفهمه للامور السياسية، وهناك حقيقة  السياسة  قيل عنها تعني فن الممكن،  وهذا يعني أن لا مستحيل في السياسة، عدو اليوم ربما يصبح صديق وحليف يوم غد.

في الختام الاتحاد قوة، لذلك لاسبيل ولامناص بدون العمل على التعاون، والعمل على الاتفاق على الثوابت، زيارة السيد رئيس الإقليم مسرور بارزاني واجتماعه مع قادة الإطار بشكل عام ومع الشيخ قيس الخزعلي، جعلت السيد البارزاني يشيد في مواقف الشيخ الخزعلي، بل حتى في اجتماعات حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني لانتخاب قيادة للحزب كان حضور لقادة الأحزاب الشيعية ومنهم الشيخ قيس الخزعلي، وهذا دليل أن الحوار يفتح آفاق التعاون، رأينا مواقف كوردية اشادت باحزاب الإطار بشكل عام وفي الشيخ قيس الخزعلي بشكل خاص.

 

نعيم عاتي الهاشمي الخفاجي

كاتب وصحفي عراقي مستقل.

28/9/2023