الأحد - 16 يونيو 2024

قصة/ هيا يا ولدْ سنذهب عند جدتك..!

منذ 8 أشهر
الأحد - 16 يونيو 2024

نبيل القوشجي ||

 

حملته، غاطّ هو في نوم أشبهُ بسبات الوردة في ليلة ربيعية ، وقد تكور في لحافٍ اكبر منه،في حضنٍ فاقد لمعناه ، ضم أصابعه الصغيرة ، مسك بإحدى يده ياقتها.

عاري هو تماما حتى من الاسم .

الظلام أسدل وحشته بليل فارغٍ  ،بقايا الدموع في حدقت عينيها بعثرت الطريق ،غرقتْ خطواتها في مفاجآت الخوف .

النظر يمينا وشمالا شغلها عن النظر في وجهه .

أخفته وكأنه!!! بل هو عار!! ، عار اكبر من أن تقوى الى النظر في محيّاه الدقيق بتفاصيله الناعمة البريئة .

مشت ومشى الشارع معها ،يترقب متى ترجع وتتراجع فيطوي مداه.

أجلسها التعب على الرصيف تحت ضوء خافت ،وفي لحظة هدوء تقهقر الخوف لوهلة كأنه يريد أن يفهم  .

رفعت طرف اللحاف ونظرت اليه نظرة غريبة ،نظرة احتوت بها كل تفاصيله درّت جسدها النحيل المتعب المرتعش حنانا فياضا،انهمرت دمعات متماسكات بخطواتهن ،يتسابقن يجرفن سدة اللهفة يتدافعن يتلاشين على طرف كُمها .

حرك قدميه وكأنه أحس بشيء

بدفء خيم بأنفاسه حين دنت بوجهها من خده ….قبلتهُ.

لا رائحة له !!.

همست في أذنه لن أرميك.

رفعت وجهها ،صرخت بوجه السماء المحدقة في أعماقها: لن ارميه، لن ارميه .

القنطرة الحديدية الطويلة على النهر تنتظرها  لتكمل مسيرتها ، بضع خطوات وتسدل الستار على خطيئتها ،وتعود بدنس أخر بذيل ثوبها المتلطخ ببقع الدم الداكنة اليابسة.

النهر الغافي في هدأت الليل على صوت خريره، سيغسل العار بكتمان شديد فيطفو على أمواجه نقيا طاهرا ،ويحتفظ بالقصة سرا في درج ضفافه.

نائم هو مطمئن لم يشعر بعد بالانتماء لهذا الحضن لتلك الأنفاس التي تدغدغ وجهه لهذا الجسد الذي طرحه عاريا برائحة العار.

حاولت أن يعرف أنها أمه .

حاولت أن ترضعه ،أحست بوجع شل قلبها ،لم تقوى على لمس نهدها المتخشب ،حضنته بقوة تهدهده ،أجهشت لم تُسعفها الدموع .

متعب هو يجهل ما ينتظره اهو الموت في سكون يشبه نومته،أم ؟

البطولة لم تترك له خيارا أما أن يُنقذ هذه المرأة ، ويمحو عنها الخطيئة ويُلقي بنفسه في النهر فيخنق خوفها بموته،وأما لا خيار آخر  .

بالنسبة له لا فرق بين ظلام الرحم وظلام الموت .

ما أصعب أن تموت على يد من تحب ، والأصعب، أن تموت بلا اسم !!.

وقفت به على القنطرة شعرت ببرد أشبه بسهام النار تخترق جسدها ،تماسكت لتشعر بالقوة ، تنفست بعمق حضنته بولع ،انزعج اخرج يده من اللحاف، بكى.

صوتٌ رخيمٌ اخترقَ ستار الليل ،مسك السماء ،أرخاها ،قصير متقطع ،سقط في آذن النهر لحنا حزينا .

همستْ في أذنه: اسمعني جيدا ، لن أبقيك حتى تفترسك النظرات ،لكلام الناس ،لا لا!! لن أرميك لن تموتَ لأعيش أنا .

حاورتهُ بانفعالٍ أهوج.

تبا للظلام ،فهي لم تعرف بعد لون عينيّه .

نظرتْ في النهر بخوف.

سمعتْ صوتاً انساب باردا جاء من عالم ،التفتْ.

يا بنت عيب أغلقي النافذة يا بنت !!.تعالي للمطبخ غدا يعيروني إذا لم تتعلمي الطبخ !.

ابتسمتْ …صرختْ: أنا قادمة يا أمي، سأغلق النافذة للأبد ، أنا قادمة ، أنا قادمة …..

شدته بقوة على صدرها ،بسرعة ،وكأنها هاربة ،وكأن ثمة شيء يستعجلها  ،تأملته ،لمسته ،قَبلتْهُ أحست بقُبلتها حارة مجنونة ، شمته طويلا .

هيا يا ولدْ سنذهب عند جدتك !!!.