الأحد - 23 يونيو 2024

لماذا يخافون من زيارة الأربعين ؟!

منذ 8 أشهر
الأحد - 23 يونيو 2024

علي الخالدي ||

 

   سجلت الاربعة عشر قرناً الهالكة، حدثاً لم يعرف له على مر التاريخ اي مثيل، ولا يمكن وصفه بغير حملات الطمر والطمس والهدم لقضية الإمام الحسين عليه السلام.

   هناك من يحاول ان يسفه زيارة الأربعين ويسطح اهميتها، ويعيب شعيرتها بداعي أن لا تغيير فيها للواقع الاجتماعي, او لم يصدر منها في البين أي حدث يلمس له اثراً في الماضي او الحاضر, ناهيك عن دعواهم لترك التاريخ والماضي والنظر للقادم فقط، وهذا دليل ضحالة هذا النوع من البشر، وقشرية الفكر الهابط الذي يحتويه, ان كان هناك فعلاً ما يمكن أن يصطلح عليه بالفكر، وسنثبت في معرض الحديث لاحقاً, سخافة هؤلاء الذين اعتلتهم جلابيب وثياب ابليس, اذ هلكت امم وتساقطت حكومات وتعاقبت دول, على عمليات تحطيم قضية الإمام الحسين عليه السلام، وقد تناوبت فيها أجيال على حمل معاول الشيطان، لكنها لم تستطع أن تنفذ لأقطار سفينة هذه القضية المقدسة لتخرقها او تخرب صورها حتى الخارجية منها.

    إن التشويه او التضليل الذي مرت به وتعرضت له القضية الحسينية في العراق, بسبب الخوف من انفجارها العالمي، قد مر عبر سلسلة جولات، وقفت في نفيه الفكري عدة محطات وتظافرت على ذلك مختلف الحضارات, وتصارعت فيه غالبية حوادث الديانات, وزرعت فيه شتى الثقافات, وكان يختلف تطورها مع توسع الرقعة الجغرافية للوجود الحسيني, وكل دائرة كانت تمثل حلبة صراع مقصدها مغاير عن سابقها، حيث يمكن تقسيم  هذه الحقب المظلمة لعدة اشواط او مراحل حسب النشأة الزمانية لها :

المرحلة الأولى:  هي المرحلة المتقدمة في ظلم أهل البيت عليهم السلام, والتي بدت بشوط الامويون وانتهت بهلاك العباسيين, حيث اتسمت هذه الدائرة بتضييق الخناق على ابناء علي عليه السلام مع محبيهم, لعهد قارب الستة قرون, بتهجيرهم وهدر دماءهم وقتلهم حيثما ثقفوهم, وكان كل هَم الحاكمين والسلاطين هو الحفاظ على الملك والخلافة الكاذبة, تحت شعار ” لا تبقوا لأهل هذا البيت من باقية” فهم كانوا يعتقدون ان الند لهم موجود واقعاً, ويشاهدونه ويرونه رأي العين وعليهم ابعاد منافسته لهم, متمثلاً بالامام علي السجاد الى الامام الحسن العسكري عليهم السلام، وهي عصر الامامة الظاهرة, وكان هذا الدهر يعيش فيه الشيعة التقية, وعدم القدرة على المقاومة مصحوبة بنزع السلاح, وقد عقبها الزمن العثماني, والذي لم يختلف عنهما إلا قليل، إذ انتهى مع بزوغ العصر الصناعي الغربي.

المرحلة الثانية: مرحلة الوهابية وهي حلقة الوصل بين قوى الشر الهالكة والسالفة وتعتبر اهم ثمار الظلم, وهذه الجولة استشعر فيها العدو اتساع المد الحسيني, الذي كانت الامم السابقة  تسعى جاهدة لردم بئر الإسلام وصد امواجه، لمنع البشر من من الاستفادة من عذب مياهه، قال تعالى (وبئر معطلة وقصر مشيد )  اذ ان باشراقات هذه الاضواء في افاق الارض وسماءها, سيعرف العالم ان من قتل علياً واله عليهم السلام, هو من تم اخفاء هويتهم على مدار اثنا عشر قرناً، وهم رموز وقدوات هؤلاء الكفرة, وستنقلب الحواضر الانسانية اليهم حباً وعاطفة, وسيسقط الصرح الذي شيدوه على رؤوسهم, وسيطالب بمحاكمتهم بحثاً عن العدالة التي تنشدها البشرية, لذا عمد الوهابية الى هدم وازالة اثار اهل البيت عليهم السلام, من قبور ومساجد ومحاريب عبادة, وديار كانت سكناً لهم تشرح حياتهم البسيطة مع الفقراء, للأمم التي تأتي خلفهم حتى تقتدي بهم, بعيدا عن قصور الملوك والخلفاء.

المرحلة الثالثة: مرحلة الاستكبار العالمي: وهو الزمن الاكثر خطراً واشدها شراسة من سابقاتها, حيث تميزت باحتواء جميع انواع المراحل العدوانية السابقة, وقد زادت واضافت عليها  صور الفتك الثقافي والديني, من التشويش والتشويه والخلط, التي يصعب فيها التعرف على الحق وفرزه عن الباطل, فهذه الجولة من حملات التشكيك والتضليل بعقائد الناس, تسمى بثقافتنا الاسلامية ” فتن اخر الزمان” والعدو اعطاها عنوان الحرب الناعمة, اذ ان هذا العصر هو وقت الصدام المباشر الذي لا تقٌية فيه, بين القطب العلوي المتمثل بالقيادات الدينية الحقة, التي انبرت لذلك متمثلة بسماحة السيد المرجع السيستاني والقائد الخامنائي حفظهما الله تعالى، ودول الاستكبار العالمي بقيادة امريكا وحلفاؤها, واليوم بعد ان قطعت القوى الالهية اشواطاً بالتحرير والسيطرة على بعض اجزاء اراضي دولة صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف المغتصبة, فهنا لا يوجد مجال للتراجع ولا وفسحة لنزع السلاح وهد ما بنوه قادتنا, أي اننا ما بين مسح العرق والعلق والنصر الالهي وبلوغ الفتح المبين (قاب قوسين او ادنى) .

يعد زوال قلعة الاستكبار العالمي في العراق, الهالك ” صدام ” عليه لعائن الله, وقبله سقوط جندي الشيطان الاكبر في ايران الاسلامية ” الشاه ” خطراً كبيراً قد ادركه العدو, وان الانفجار البشري الذي حدث في زيارة الاربعين, خلال العقدين الاخيرين بات يشكل تهديدا واضحاً وشكل حرجا كبيرا على اولياء الشيطان في العالم المنطقة, حيث اخذ التقدم العلوي والمد المهدوي في هدم حصونه ليس في العراق فقط, بل كسر الجدران والخطوط الحمراء التي بناها آلهتهم “سايكس بيكو” قبل اكثر من قرن، وقد تفوق عليهم المد الشيعي كثيرا, حيث اخذت الكتل البشرية تتماسك شيئاً فشيئاً, وهذا التجمع لا شك يفهمه المعتدي انه ليس طبيعياً وعفوياً, من حيث الوحدة والتنظيم الامني والاقتصادي في إنجاح الحدث, فالتهديد يكمن في وحدة هذه الجموع ورصها وتوجيه جبهاتها نحو المطالبة بهدم النظام العالمي المستكبر.

   ان زيارة الاربعين يتلقفها شيعة العراق كأنها يوم الفتح المبين, او انهم على اعتابه, غير مصدقين لحصولهم على شرف الخدمة الحسينية, يشعرون ان الزائر هو متفضلاً عليهم بالسماح لهم في ضيافته, يظنون ان الخدمة يقدمونها مباشرة بين ايدي صاحب العصر والزمان عليه السلام, وهم يؤمنون ان هذ التدريب الذي يستغرق لعشرين يوماً في بعض المناطق, ما هو الا ميران ليوم الوقت المعلوم, ساعة ظهور القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف, حيث سيعملون خدماً في دولة العدل الالهي الكبرى, التي زوارها من مشرق الارض ومغربها, واعداد وفودها اضعاف ما موجود عليه اليوم, وهذه العقيدة الدينية الحقة  تترسخ عبر شعيرة الاربعين, التي هدفها ازالة الظلم والجور الذي هو سلاح سيطرة قوى الشر على العالم.

    تبحث القوى الشيطانية على إيجاد شخصيات وهمية لا ماضي ولا وجود لها اصلا في التاريخ، بتقديمها رموز التفاهة والمحتوى الهابط، على أنها قادة المجتمع، بينما زيارة الأربعين تجد فيها الحواضر القادمة من ارجاء المعمورة، الرموز الإسلامية الحقيقية، التي تتصف بسمات الكمال من العفة والدين والشرف والغيرة، وهي ما تثير شعلة الجهاد والكفاح و النهوض من أجل كسر قيود الفساد والحصول على الحرية، والتي يحاول طمسها العدو وإخفاءها عن انظار أجيال الوعي الحاضرة والقادمة، ليحافظ على ايقوناته التي تمثلها الميوعة والدياثة، والتي زينتها المخنثين بغطاءهم الجديد “الجندري” .

    إن زيارة الأربعين رغم أن اعدادها كانت صغيرة، في العقود التي سبقت انهيار حكم حزب البعث في العراق، إلا أنه ولد من رحمها مسيرات منهاضه وثورات متعددة هددت وجود الأنظمة الحاكمة حينها، مثال ثورة 1977 ميلادية، حيث كانت حركة كبيرة جدا في كربلاء، سجل فيها الزائرون اروع صور الفداء والتضحية لإحياء شعيرة الأربعين، وبات اثرها حاضرا بين صور ملاحم كربلاء إلى يومنا، فتأثيرها لم يختفي مع رحيل النظام، بل ما زال وجود حركاتها ولمساتها الفدائية، بين الفصائل المقاومة اليوم للامريكان ولعصاباتها داعش واخواتها في غرب العراق وشماله.

    ان الرعب الذي تعيشه وحوش الشر وقواها منذ قيام ثورة الامام الحسين عليه السلام, هو ناجم من الخوف على سقوط حكومة الجبت والطاغوت, التي وجاهتها جبابرة اليوم “الصهيوامريكية” حيث زوالها يعني نهاية الفساد ورموزه, التي حياتها بنيت على امتصاص ارواح البشر وثرواتها, وبهلاكها يشع نور الحق والعدل, ويعود الامان في ارض الله وتأمن المخلوقات وجوداتها في المعمورة.

   ختاماً وباختصار نقول ان زيارة الاربعين هي ثورة بمعنى الكلمة, ضد الظلم بجميع صنوفه والوانه, التي تستر واختبأ خلفها الشيطان الاكبر, بثياب الحداثة وتطور الحضارة الزائفة, فالحسين عليه السلام سفينة النجاة وقد ادركت البشرية اليوم ذلك, وكل امة تريد ان تركب بها حسب طرق الانقاذ التي تجدها ملائمة في الحاق بها، قبل مرورها نحو جرف الظهور الشريف.

 

 

ــــــــــــــــــــــ