الأربعاء - 17 يوليو 2024

مستقبل طوفان الاقصى في ضوء المتغييرات العسكرية والسياسية   

منذ 9 أشهر
الأربعاء - 17 يوليو 2024

محمد الياسري ||

تعتبر عملية طوفان الاقصى المعركة الاشرس حتى الان مع الاحتلال الاسرائيلي لما حدث فيها من المباغتة والهجوم الخاطف وضرب العدو في العمق والانسحاب بالاسرى وغنائم عسكرية واسرى ضباط كبار في جيش الاحتلال .. ولتقييم هذه المعركة لابد ان نشير ان المعركة لاتزال في بدايتها لغاية الان وقد اعلنت كتائب القسام وسرايا القدس والفصائل الفلسطينية الاخرى استعدادها وفق ماتملكه من قدرات من الصمود والمواجهة لحرب طويلة الامد وهذا يؤكد حساب المقاومة الفلسطينية لقدرات الكيان المؤقت العسكرية وما احدثته فيه من الم واذلال.

ولكن ما اثبتته عملية طوفان الاقصى بشكل اساسي هو ما يمكن قياسه على المستويات العسكرية والنفسية والسياسية والاقتصادية للكيان المؤقت سواء في الداخل والخارج وفيما يلي نفصل في كل محور من جهة المقاومة الفلسطينية وايضا للكيان المؤقت :

اولا: المستوى العسكري والامني: اثبتت عملية طوفان الاقصى فشل المنظومة الامنية والعسكرية للكيان بعد ان صورته هوليود والسينما العالمية على انه “جيش لايقهر” ويمتلك تفوقا استخباريا ولديه حس المفاجاة والمباغتة ويمتلك من مقومات الحسم السريع في حالة التدخل لانهاء اي مواجهة محتملة وقد ظهر واضحا في العام 2006 في حرب تموز عندما فشل في المواجهة مع المقاومة الاسلامية في لبنان (حزب الله) ولكن اجرى تغييرات كثيرة على القدرات العسكرية ومنظومات الدفاع الجوي والعزل التام مع قطاع غزة وتطويق الضفة الغربية ولكن في العام 2023 قامت المقاومة الفلسطينية بمباغتة الكيان المؤقت بعد تضليله لسنتين رغم امتلاكه اجهزة من الموساد والشابك وامان ولكن التفوق الاستخباري لها قد وقع في التضليل عبر مجموعة معقدة من الاجراءات الامنية اتبعتها المقاومة الفلسطينية وخصوصا كتائب القسام مما يؤشر لمستوى التطور الاستخباري والقدرات الامنية للمقاومة ، كما ان دخول مقاتلو القسام للمستوطنات والخروج منها بعدد كبير من الاسرى وغنائم عسكرية يظهر فشل استراتيجيات الدفاع والدفاع السلبي والهجوم لدى تل ابيب بل الصدمة مما حدث واندفاعه الجنوني في استهداف المدنيين والمراكز الصحية ومناطق ايواء اللاجئين تبين وحشية قيادة الكيان وانهيارها امام تفوق قدرات المقاومة وتخبطه في عملية الردع او ما تسميه تل ابيب “الرد السريع الحاسم” والتخبط بين الاجتياح البري او المفاوضات من خلال الوساطات من بعض الدول العربية المطبعة او الابادة الشاملة ولكن ما قامت به من قصف هستيري يظهر محاولة نتنياهو الهروب من المعركة الى قصف المدنيين لارضاء المستوطنين الذين اصبحوا ناقمين بشدة لحكومة نتنياهو بعد اعتراضهم على مشاريعها في التعديلات القضائية والاحتجاجات في المستوطنات قبيل المعركة .

ثانيا: المستوى النفسي: تعتبر طوفان الاقصى من اقسى المعارك التي تركت اثرا نفسيا سيئا سواء في جيش الاحتلال او المستوطنين فان خيبة ألامل من فشل المنظومة الأمنية والانكسار أمام انتصار المقاومة وفقدان الأمان الشخصي كلها مسببات للقلق من خطر يهدد البقاء في فلسطين المحتلة ودافعا في الرغبة والهجرة وخصوصا اذا لاحظنا ان كثير من المستوطنين يمتلكون جنسيات اميركية وبرتغالية وارجنتينية والصدمة والاحساس بالعار دفعت المستوطنين الى الخروج بتظاهرات في تل ابيب يوم امس تندد بحكومة نتنياهو فصحيفة “يـديـعـوت أحـرونــوت” قد اعتبرت ما حدث بانه “الفشل الذريع” و “إنّه الحدث الأكثر استراتيجية الذي تختبره الساحة الفلسطينية” كما ان “المفاجأة الأكبر هي عدم وجود معلومات استخبارية عن عملية معقدة كهذه نفذت رغم أنف الإسرائيليين” اما كـان الـعـبـري فقد ذكر ان “محمد الضيف قاد عملية تضليل مذهلة… محمد الضيف الذي فشلنا عشرات المرات في اغتياله يقود المعركة حالياً في العمق”.

اما من الجانب الاخر فكما فاجأت العملية الكيان المؤقت فانها ايضا كان لها تاثير كبير في صفوف الشعوب الاسلامية والعربية وخصوصا الشعب الفلسطيني وهو يرى قدرات المقاومة تنتقل من الدفاع الى الهجوم بعد تعزيز تموضع الدفاع واساليب الردع واعطت انطباعا نفسيا مذهلا خصوصا للشعوب التي طبعت حكوماتها مع الكيان المؤقت وفي مقدمتهما مصر والاردن .

ثالثا: المستوى السياسي: شكلت عملية طوفان الاقصى انكسارا غير متوقعا لسلوك تل ابيب ومخططها في تطبيع العلاقات مع الانظمة العربية ومع تسارع العجلة مع الرياض بكونها عاصمة اكبر بلد عربي اسلامي وفيه الحرمين الشريفين اللذين لهما مكانة في قلوب العالم الاسلامي وهرولة السعودية نحو التطبيع كان يشكل تقدما سياسيا للكيان ولكن طوفان الاقصى اوقفت هذا المخطط على الاقل مؤقتا وعطلته بشكل يدفع الرياض للتحرك بهذا الخيار وهذا ما اعلنه الرئيس الاميركي جو بايدن بعد اتهامه لحركة المقاومة الاسلامية حماس بعرقلة التطبيع السعودي الاسرائيلي ، ومن جهة اخرى انهيار الكيان الامني في طوفان الاقصى انعكس بشكل كبير على حلفائه الغربيين ولذا جاء حجيج الوفود الغربية الى تل ابيب وفي مقدمتهم الرئيس الاميركي جو بايدن ورئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك و المستشار الألماني أولاف شولتز ووزراء الخارجية والدفاع الاميركيين انتوني بلينكن و لويد أوستن ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا ميتسولا، ووزراء خارجية كل من ألمانيا أنالينا بيربوك وكندا ميلاني جولي وإيطاليا أنطونيو تاجاني وفرنسا كاثرين كولونا بهدف اعادة الثقة التي فقدت لقيادة الكيان المؤقت وحكومته وهذا يعني ان الطوفان قد كسر الكيان سياسيا بشكل كبير وهذه الزيارات تحدث لاول مرة في عمليات قتالية وقصف للمستوطنات من قبل المقاومة وجرائم ابادة وحشية يرتكبها الكيان بحق المدنيين .

رابعا: المستوى الاقتصادي : مع بدء عملية طوفان الاقصى شهدت عملة الاحتلال الاسرائيلي (الشيكل) انخفاضا غير مسبوقا خلال 8 سنوات وجاءت عملية الانخفاض بنسبة تزيد على 3% في اليوم الاول ووصل إلى 3.96 دولارات أميركية كما تراجعت البورصة في تل أبيب بنسبة 8% في اغلاق أول يوم تداول بعد بدء طوفان الأقصى اما البنوك فقد تكبدت خسائر ناهزت 8.7% اما على مستوى الطاقة فقد ارتفع سعر النفط بمقدار 5 دولارات للبرميل عالميا بعد التطورات الأخيرة بعد اغلاق حقل الغاز الطبيعي تمار الذي يعد من أهم المصادر للغاز المستخدم في توليد الكهرباء والتصدير ونتج عنه انخفاض صادرات الغاز الصهيونية لمصر والأردن ، اما على مستوى الاستثمار فان معظم شركات التكنولوجيا الأميركية تمتلك مكاتب في الكيان مثل مايكروسوفت وغوغل وآبل وأوراكل كما ان شركة إنتل كانت تنوي أن تستثمر 25 مليار دولار أميركي في بناء منشأة لتصنيع الرقائق الإلكترونية تقع على بُعد 30 دقيقة فقط من الحدود مع قطاع غزة فضلا عن قطاع السياحة وقد ذكرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” نقلا عن بنك هبوعليم إن “تكلفة الحرب الدائرة في غزة لن تقل عن 7 مليارات دولار وفق البيانات الأولية” بل البعض يشير الى 10 مليار دولار .

الخلاصة: ان عملية طوفان الاقصى قد سببت خيبة امل وفقدان ثقة المستوطنين بجيش الاحتلال وبسلطات الاحتلال وعسكريا وامنيا قد سببت فشلا كبيرا وانهت موضوع التفوق الاستخباري ودحرجت مخطط الحسم السريع الذي كان يتبجح به الكيان واما سياسيا فقد عطل مشاريع التطبيع مع الانظمة العربية وفي مقدمتها السعودية واقتصاديا خسائر بلغت قرابة 10 مليار دولار وعرقل الاستثمار والسياحة .. اما من جانب المقاومة فقد اعطت دفعا قويا لتمسك الشعوب بقدرات المقاومة وعززت من قدرات المقاومة في الهجوم والدفاع وبالتقنيات الحديثة وباساليب مبتكرة اما سياسيا فقد اصبحت المقاومة الفلسطينية الممثل الشرعي للفلسطينيين بعيدا عن سياسات السلطة في رام الله .