الأربعاء - 24 يوليو 2024

مفهوم المراقبة والإشراف الانتخابي

منذ 9 أشهر
الأربعاء - 24 يوليو 2024

يوسف السعيدي  ||

 

يشوب الكثير من المفردات التي توظف في مجال  الانتخابات  أحيانا بعض الغموض، وعدم الفهم، والتفريق في مدلولاتها وأثارها، وعلى سبيل المثال لا الحصر عبارة  (الرقابة الانتخابية) و(الإشراف الانتخابي) اذ كثر الحديث قّبيل الانتخابات النيابية الأخيرة في العراق وانتخابات مجالس المحافظات القادمة من قبل السياسيين والناشطين المدنيين وبعض رؤساء الأحزاب حول هاتين المفردتين والمطالبة المستمرة بضرورة إجراء الانتخابات تحت إشراف او رقابة الأمم المتحدة غافلين عن الفارق الكبير بين مفهومي الرقابة والإشراف ، والجدل الذي استعر بين مفهومَي الرِّقابة، والإشراف .

ولتوضيح هذا اللبس، او الخلط  سنتناول المفهوم اصطلاحا ولغة، فالمراقبة الانتخابية هي عملية مرافقة ومواكبة لمراحل العملية الانتخابية، يقوم بها مجموعة من الاشخاص من ذوي الخبرة والقدرة او الاهتمام يتم اعتمادهم رسميا لأداء مهمة مراقبة انسجام القوانين المنظمة للعملية الانتخابية للمعايير الدولية، ومدى تطبيق تلك القوانين على ارض الواقع، وضمان حيادية السلطة الانتخابية، وحرية ونزاهة العملية الانتخابية بأسرها أو الاهتمام بإحدى مراحلها فقط .

  وأمٌا من الناحية اللغوية فقد جاء في المنجد في اللغة العربية  إِنَّ المراقبة اسم مشتق من  ((Contre roul  عن اللاتينية، بمعنى التحقق من الملاءمة والتوافق من وضع أو معيار ما, وبذلك فهي عملية تركز على التحقق .

وفي اللغة الانكليزية فإِنَّ هناك كثيراً من الكلمات, التي تعبّر عن مفهوم الرقابة في اللغة الانكليزية منها تعبير الرقابة(Observation)  أو المراقبة (Monitoring) أو الإشراف (Supervision) وفي أحيانا أخرى (Control). وفي القواميس العربية نجد أنها تعطي معاني متشابهة لكل الكلمات السابقة فتنطبق مفهوم المراقبة والملاحظة عليها جميعا, أمّا في المعاجم الانكليزية فإِنَّ  الاستعمال اللغوي للكلمات سابقة الذكر تظهر اختلافاً في الدرجة لا في المضمون. بمعنى آخر إِنَّ الاختلاف بين التعابير هو اختلاف في درجة تدخل المراقب في العملية الانتخابية, فالرقابة (Monitoring) تعني الرقابة الشاملة لكل مراحل العملية الانتخابية ،أي قبل، وأثناء ،وبعد العملية, وفي حال إِذا تبيّن للمراقب أَنَّ هناك خرقا للقوانين الموضوعة والإجراءات المعدة والمعلنة او المعايير الدولية المعروفة وجب عليه التدخل والفحص وتصحيح المسار. أمّا  كلمة الملاحظة (Observation ) تقتصر على الملاحظة والنظر والتوثيق لظاهرة أو حالة معينة أثناء الرقابة على العملية الانتخابية.

 لذلك فأن مفهوم المراقبة أو الإشراف (Supervision) هي أعلى درجات الملاحظة في بعض أو كل المراحل الانتخابية وتقترن أحيانا في تصحيح المسار الخطأ, وأَنَّ مسألة اختلاف التعابير متعلق بمترادفات لغوية تهم علماء اللغة أكثر من فقهاء القانون إلا إِنَّ  الأمر يختلف ويتغّير بتغّير المصطلح وأثره القانوني الذي يترتب عليه تغّيير حدود السلطة للمراقب, ففي مصر حدث وإِنَّ اعترضت السلطات المصرية في عام 2012م على كلمة (مراقب) أثناء طباعة بطاقات التعريف للمراقبين من قبل اللجنة المشرفة على الانتخابات, وفضلت استعمال كلمة المتابعة (Witness). وفي دولة الكويــــــــــــــت ايضا هـــــناك حساسيــة لــدى بعــــــض المسؤولــــــين مــن مـصطلح

( رقابة)، وتم التحفظ على المصطلح ؛ إذ تقوم لجنة قضائية عليا بإدارة مركز الاقتراع، وذلك لأَنَّ  القاضي لا رقيب عليه الا الله ثّم ضميره ؛ لذلك تم استبدال كلمة ( رقابة ) بمصطلح آخر وهو( متابعة )، وفي دول عربية أخرى استعملت (رصد) أو(ملاحظة) أو(مشاهدة)، لكنها تؤدي للهدف والمعنى نفسه .

أمّا  في التقارير الدولية على الانتخابات يشيع استعمال مصطلح (Observation ) أكثر من استعمال مصطلح (Monitoring) وفي كلا الحالتين كما ورد صراحة في تقرير فريق المساعدة الانتخابية الدولي الذي شارك في التحضير للانتخابات عام 2005 م لمجلس النواب العراقي وتحت عنوان  ما هو دور الأمم المتحدة، الذي بين أَنَّ  دور الأمم المتحدة ينحصر في تقديم المشورة وتوفير الخدمات الفنية واللوجستية والمالية والإدارية للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وهي ليست مسؤولة عن الأشراف على الانتخابات, وأضاف التقرير أنَّه لا يمكن  للأمم المتحدة مراقبة انتخابات العراق في الوقت الذي تقدم فيه الدعم للمفوضية, وإِنَّ فريق المساعدة الدولي جاء بطلب المفوضية؛ ليكون مسؤولاً عن تنسيق الأعمال لفرق المساعدة الدولية على العملية الانتخابية في العراق، وفي النص الإنكليزي في التقرير ورد مصطلح (observe) ومرة  (supervision), وليس كلمة(Monitoring).

كذلك لم يحصل التطرق إلى تعريف دقيق للرقابة في التشريعات الانتخابية الوطنية بما فيها قوانين الانتخابات العراقية النافذة، إِلا أنَّه وعلى الرغم من ذلك يمكن البحث عن المدلول الاصطلاحي للرقابة في الوثائق العالمية والإقليمية عبٌر دماغ الأمم المتحدة نفسها ، اذ عرَّفتها بشكل رسمي الجمعية العامة للأمم المتحدة

عام 2005م في الإعلان الدولي الخاص بمبادئ المراقبة الدولية للانتخابات ومدونة قواعد السلوك لمراقبي الانتخابات بأنها: عملية جمع منظم ودقيق لكل المعلومات المتعلقة بالقوانين والاجراءات والمؤسسات التي لها صلة بالانتخابات دون التأثير على سيرها.  وعلى الرغم من وجود الكثير من التعريفات  للرقابة إلا انه  أكدت دراسة عن الأمم المتحدة ان الرقابة من الوسائل الوقائية المهمة لمحاربة الفساد والتلاعب والتزوير هو وجود مواثيق لأخـلاق العـــمل في الدول .

 وللرقابة الانتخابية داخلية كانت او خارجية أنواع عدة منها :

  • الرقابة المفروضة : تلجأ اليها  الدول التي تعاني من إنهيار نظامها السياسي, إذ تقوم الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بتفويض الأمم المتحدة والقوى الدولية الكبرى بفرض المراقبة على انتخابات تلك الدولة .
  • الإشراف الدولي على الانتخابات : حدث هذا النوع من الرقابة والإشراف على الانتخابات في الدول التي تخلصت من الاستعمار إلى الاستقلال السياسي بوصفها وسيلة لحفظ السلام, لتفادي الحرب بعد صراع الاستقلال, ويناط هذا الدور لممثل الأمين العام للأمم المتحدة مهمة الإشراف وهو الذي يقر بنزاهتها من عدمه,
  • الرقابة التي تطلبها الدولة المعنية في الانتخابات : هذا النوع من الرقابة يتم بموجب طلب رسمي تقدمه الدولة أو المؤسسات المخولة ضمن القانون من المنظمات الدولية بهدف المراقبة للتأكد من نزاهة ومصداقية الانتخابات في جميع مراحل العملية الانتخابية، ويكون أمّا  بهدف المراقبة أو تقديم المساعدة والمشورة .وان هذا النوع من الرقابة هو المطلوب والذي يمارس في العراق والذي لا يمس السيادة .

مما تقدم فان الإشراف على الانتخابات يختلف عن المراقبة التي تطلب من الدولة فالأشراف  يتطلب موافقة الأمم المتحدة على كل مرحلة من مراحل العملية الانتخابية بما عليها من أجل إثبات مصداقية الانتخابات عموما. ويمكن أن تتطلب المشاركة المباشرة في إنشاء آليات الانتخابات، مثل التاريخ، وإصدار اللوائح، وصياغة ورقة  الاقتراع، ورصد مراكز الاقتراع، وإحصاء بطاقات الاقتراع، والمساعدة في حل المنازعات. وعندما لا تكون الأمم المتحدة راضية عن الإجراءات الانتخابية أو تنفيذها في مرحلة معينة، يتعين على هيئة إدارة الانتخابات العمل بناء على توصيات الأمم المتحدة وإجراء أي تعديلات ضرورية. ويتوقف تقدم الانتخابات على موافقة الأمم المتحدة على كل مرحلة. كما أن الإشراف على الانتخابات من قبل الأمم المتحدة أمر نادر الحدوث ويتطلب تفويضا من الجمعية العامة أو مجلس الأمن.

ويعد (الإشراف) على الانتخابات لدى الكثير بانه عملية سلب لسيادة الدولة العراقية، و مصادرَةً لصوت الشعب العراقي وحقه الدستوري الانتخابي، وهي نوع من الوصاية الدولية، وتجاوز على إرادة العراقيين الذين مارسوا العملية الانتخابية الديمقراطية بعد عام (2003م) حتى عام (2021م) ولم يكونوا بحاجة إلى (الإشراف الأممي)، ولذلك يجب أن يظل دور الأمم المتحدة في إطار الرِّقابة ظاهرًا وجوهرًا، ولا يتعدى هذا الإطار إلى الإشراف الذي يطعن بسيادة الدولة العراقية ويسلب إرادة الشعب العراقي.

وأخيرا أصبحت الرقابة شائعة بشكل ملفت للنظر في فترة السبعينيات من القرن المنصرم في الديمقراطيات الانتقالية أو في مراحل التحول للسلم بعد انتهاء الصراع، بعد أَن كانت أشبه بـ “جولة سياحية بقيادة مرشد  وليس تقييما منظماً وفقاً لمعايير منهجية راسخة ومتعارف عليها كما هي الآن, وقد جرى النظر إليها في البداية على أنها ضرورية لفترة انتقالية لحين ان تترسخ أو تتوطد الثقة العامة في العملية الانتخابية, ولا يكون هناك أي حاجة للرقابة, أمَّا في السنوات الأخيرة أصبح الشائع أكثر من ذي قبل إرسال فرق لتقييم أو مراقبة الانتخابات حتى في الديمقراطيات الراسخة , وقد وضعت معايير متفق عليها تقريباً بين دول العالم , وتطورت تلك المعايير مع تطور التكنولوجيا الانتخابية الحديثة . وتعززت الرقابة بعد ذلك بدور الأمم المتحدة التي بعثت بمراقبيها وبعثاتها إلى كثير من دول العالم ضمن برامجها في مساعدة الشعوب, ونؤكد هنا إِنَّ ذلك وحده لا يكفي ,وإنما لا بد من غرس القيم الأخلاقية للمراقبين, وتنمية الرقابة الذاتية للفرد والمجتمع.

   

ـ،ـــــــــــــــــــــ