الأربعاء - 17 يوليو 2024
منذ 8 أشهر
الأربعاء - 17 يوليو 2024

د.أمل الأسدي ||

تروي لنا أمي أنها في أول حياتها الزوجية، كانت تعود لتنام  بعد أن يذهب والدي لعمله فجرا، فقال لها جدي الحاج جاسم الأسدي: تعالي عمي اگعدي هنا: اسمعي مني ولاتزعلين، من تگعدين.. بعد لاترجعين تنامين، تره تتعلمين، والساعة تصير ساعتين، والساعتين تصير ثلاثة، وتالي تصيرين تنامين للظهر،وباچر عگبة يصير عندچ بيت واولاد وبعد كلشي ما تلحگين!

ابنيتي گعدة الصبح  بركة وتجيب الرزق للبيت!

تقول أمي: كان هذا الكلام  في عام 1959 ومن لحظته إلی اليوم، أستيقظ من الفجر ولا أعود إلی النوم.

وتربينا ونحن نشاهد أمي تستيقظ فجرا، لتصلي وتعجن وتخبز وتخدر الچاي المهيل، الذي تجذبنا رائحته الممزوجة مع  دفء اللمپة!!

كانت نصيحة جدي مفيدة، إذ أسست لحياةٍ صحية وسليمة، وأسست بيتا ناجحا، كل أفراده يحبون السعي والعمل والترتيب والنظافة.

وكانت أمي أنموذجا للفتاة المؤدبة، التي استمعت إلی عمها وأطاعت ونفذت وعمرها خمسة عشر عاما!!

ولم تقل كبنات اليوم: هذي حياتي وما احب احد يتدخل، او والله اني متعلمة ابيت اهلي انام للعشرة، أو زوجي هو المسؤول عني وبس!!

فهي من زمنٍ راق، زمن اللمة والاجتماع والتأدب، وليس زمن الفيسبوك والتيك توك والانستغرام!!

ثم لاحظوا: ما أجمل تعبير جدي: ابنيتي گعدة الصبح  بركة وتجيب الرزق للبيت!

ما أعمق كلامه، فهو يرتبط بقاعدةٍ قرآنية  وردت في قوله تعالی:((وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۞ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا )) فالليل مخصص للسبات، للنوم والسكون، وجسّد ذلك صوت السين الذي من صفاته الهمس والرخاوة والانفتاح!

فضلا عن تشبيه اللليل باللباس الساتر الواقي، ولكَ أن تتخيل دلالة اللباس وما يقدمه للإنسان من ستر وحريةٍ واراتياحٍ وحجبٍ عن عيون الآخرين، أي أن الله جعل الليل ساترا حافظا للناس كما اللباس.

بينما جعل الله النهار معاشا، أي جعله وقتا للمعيشة والعمل والسعي والكسب، وقد جسّد ذلك صوت الشين وتفشيه وانتشاره الذي يتناسب مع انتشار الناس وسعيها في تحصيل رزقها، وقد يكون الرزق أكثر من المادة، قد يكون عافيةً، يكون جسدا سليما قويا، وقد قال أهلنا في أمثالهم الشعبية: من عافاك غناك

أي إذا رزقك الله العافية؛ فهذا يعني أنه أغناك، فالعافية غنی ونعمة!!

رحم الله جدي الحاج جاسم الأسدي، ورحم الماضين من أهل الحكمة والنصيحة، ونقول لكم ـ الآن ـ كما كان الجيران يقولون لجدي حين يجتمعون حوله لشرب الچاي، ويتحلقون حول منقلة الجمر أمام بيته في البو شجاع: خل نگوم لاشغالنا،النار سحاره يا  يابة وحچاياتك هم تسحر!