الأربعاء - 17 يوليو 2024
منذ 8 أشهر

حمزة مصطفى ||

يقف وائل الدحدوح على الحد الفاصل بين الحلم والخريطة. خسرت الصواريخ حربها معه. وائل كأي فلسطيني ولد مع أول المآسي التي حلت بفلسطين والعرب عام 1948 لا مثلما مثبت في هويته الشخصية 1970. كل السنين التالية من بعد عام النكبة مجرد تفاصيل ترمم ماتهشم من خرائط ومواقع. في التفاصيل لم يكن عام 1970 سنة ولادة وائل البيولوجية سوى عام أيلول الأسود. وقبله بثلاثة أعوام “نكسة حزيران” 1967 . إذن “سجل أنا عربي” بلغة محمود درويش الذي نحتاجه دائما ليرمم ما تحدثه الماسي والنكبات من جروح فينا. “سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون الف”. هذه كانت لغة محمود درويش قبل “مديح الظل العالي” “وعابرون في كلام عابر”. المآسي تتكرر ومعها المزيد من الصواريخ والترانسفير والشهداء. ليس هناك في فلسطين الممتدة على كل الخرائط والوجع أرامل وثكالى. مفردات اللغة لاتتسع لمزيد من الصفات والأوصاف والمتواليات. هناك شهيد وشهيد حي. هناك أشلاء تمشي ومقابر لاتتسع لكل الذكريات. المسيرة تستمر مع كل ولادة وكل موت وكل حرب وكل صاروخ وقذيفة. لايهم أين تقع أو أين تسقط. على جسد على جسر على حجر على قلب. لا يهم ذلك أبدا. لا فرق بين جد وحفيد طالما الولادة واحدة ( 1948) والموت يتكرر. تكرار الموت لايعني فجيعة جديدة بل إستمرار في التفاصيل المملة.
وائل الذي رثى زملاء له ماتت عوائلهم من بعد موت عائلته وجد وقتا كافيا ليبعث لي رسالة. رسالة وائل التي ختمها بجملة عجيبة لاتليق الإ بفلسطيني من طرازه (نراكم على خير). رسالة وائل الدحدوح كانت رداعلى مقالي (حرب وائل الدحدوح) المنشور في جريدة “الصباح” الإثنين الماضي. وائل أخذ رخصة من الصواريخ لكي يقرأ المقال بإمعان ويرد عليه. يكتب ويشكر ويحمد الله. لست أعرف كيف سمحت الصواريخ لوائل أن يرد على مقال وأن يعبر بكل ما في اللغة من جرأة البوح بما تختزنه ذاكرة الموت اليومي الذي يتجول في كل شوارع غزة وأنفاقها ويتسلل الى حروفنا وكلماتنا بين وجع ووجع. هذه هي رسالة وائل الدحدوح الجوابية على المقال الذي أرسله له زميلنا وليد إبراهيم المدير السابق لمكتب الجزيرة في بغداد “بارك الله فيكم جميعا وارجو أن تبلغه إحترامي وتقديري وشكري وأرجو الله أن يوفقنا ويمدنا بأسباب الصبر ونراكم على خير”. ماذا ينفع مقال لمداواة الم ينزف؟ أعرف أن هذا السؤال إعتراف مسبق بالتقصير, لكن, ربما, بالنسبة لوائل وربما لكل فلسطيني أن فلسطين الحلم والواقع والخريطة تقف دائما على الحد الفاصل بين اللغة والرصاصة.
كان وائل شجاعا قياسا لسواه. لنا ولغيرنا. لي شخصيا حين عددت أن الحرب الجارية الآن في غزة وبعد إستشهاد أولاد وائل وزوجته باتت حربه هو “حرب وائل الدحدوح” مثلما هو عنوان المقال, لكن الأمر يختلف بالنسبة له والقياسات كما الفوارق لاتستقيم مع ما يريد وائل الوصول اليه. وائل لم يختزل الحرب بفجيعته الشخصية. كل فجائع الفلسطينين شخصية حيث لا فرق بين الأرض والأم كما الزوجة والإبن والحفيد. لو لم يكن وائل ,وائلنا الدحدوح نقطة أو رمزا أو موقعا على الخريطة التي لاتتجزأ لغادر المشهد والشاشة بعد مابدا إنها خسارة شخصية “زوجة وأولاد وحفيد”. لكن ماذا عن فلسطين؟ وائل يكتب لي “نراكم على خير”. وائل يريد أن يعلمني الصبر ويزرع في الأمل. لم يغادر الشاشة لأنها هي ساحة المعركة المفتوحة على حلم قادم لن تقهره كل صواريخ نتنياهو. من حق وائل الإعتراض على العنوان كاي فلسطيني نذرته القضية لنفسها. عندها تختلف موازين القوى وقواعد الإشتباك كما يسمونها. الحرب هي التي تحاربه. الصواريخ هي التي تتساقط فوق قلبه فينفجر فيها فتموت. وفي مقابل موتها تتفتح .. أشجار الزيتون.