الاثنين - 26 فيراير 2024
منذ 4 أشهر
الاثنين - 26 فيراير 2024

محمد صادق الحسيني ||

في الساعات الأخيرة من وجودهم في فيتنام وبعد أن ألقوا عليها 14 مليون طن من القنابل، انصبّ كلّ جهد الدولة الأميركية على إنقاذ الزنابير «البيض».

لم يتخلّوا عن حلفائهم الفيتناميين فحسب بل تخلوا حتى عن جنودهم الملوّنين وعن كل ما ليس بأبيض من المئات من موظفيهم المجتمعين في هوتيل دوك والآلاف من عملائهم المحتشدين أمام السفارة.

وكان الأمر الصادر من الدولة الأميركية حاسماً وواضحاً:

أنقذوا السادة أصحاب البشرة البيضاء!

وقبل أن تقلع مروحية القنصل هنري بودرو من سطح السفارة أطلّ من عليائه وتفحّص الحشود في مرأب السيارات وقال بكثير من الارتياح:

لم أر أيّ وجه أبيض هناك، هيا بنا!

«السعوا أوّل من ترونه، واستمدّوا حياتكم من موته».

ارسطوفان (سفر الزنابير) 422 ق.م .

waspانه اصطلاح مؤلف من ‎الحروف الأربعة الأولى لأربع خصال عرقية وأخلاقية استثنائية تميّزت بها الارستقراطية التي أنتجت وأسّست أميركا التي نشهد احتضارها اليوم على الهواء مباشرة مع كلّ عرض جديد من خنقة رجل أفريقي او ملوّن او من نقطة دم لمظلوم يحاول مناهضة هذه الأميركا المسعورة بجيولوجيا ذاكرة ‎الزنابير ‎البيض – الانكلو – ساكسون – البروتستانت.

مع ساعات الصباح الأولى من فجر السابع من أكتوبر المجيد، أي مع طوفان الأقصى، رأت أميركا (الانجلو ساكسونية) روحها تنزع منها رويداً رويداً، روحها التي زرعتها في «إسرائيل» الثانية فوق بلادنا الطاهرة فلسطين، بعد أن زرعتها للمرة الأولى في بلاد مَن سمتهم بالهنود الحمر.

فجأة رأى امبراطور واشنطن نفسه عارياً تطارده أشباح 112 مليون إنسان ينتمون الى أكثر من 500 شعب كانوا يملأون «مجاهل» العالم الجديد بضحكة الحياة (لم يبق منهم في إحصاء 1900 سوى ربع مليون) وتلوح لعينيه مشاهد 93 حرباً جرثومية شاملة، اضافة الى 60 مليون أفريقي قتلوا على طريق بناء هذه الأميركا اللعينة، والتي حاول تاريخ المنتصر محو ذكراها من وجه الأرض حتى أيقظتها مجدداً صور أطفال غزة ونسائها وشيوخها وهم يقتلون جبناً على أيدي زنابيرها وهي امتداد لصور ضحاياها الذين أبيدوا بجراثيم الجدري في خليج مياشوستس أو بمبيد الأعشاب البرتقالي وغاز الخردل واليورانيوم المستنفد في كوريا وفيتنام وما بين الرصافة والجسر…!

أليست هذه هي حقيقة صورة أميركا بايدن الصهيوني وكل الذين سبقوه حتى الآن من طائفتي الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء…!؟

«إنهم يستعبدون كلّ مَن ليس من لونهم، يريدون أن يجعلوا منا عبيداً، وحين لا يتحقق لهم ذلك يقتلوننا.

إياك أن تثق بكلماتهم أو وعودهم.

إنها أحابيل، صدّقني فأنا أعرف سكاكينهم الطويلة جداً».

من كلمات پاشغنتا كيلياس، زعيم هنود دولاوير 1787م…

في كتابه عن نظريات الاستعمار الانكليزية يعتقد كلاوس كنور «أنّ الانكليز أكثر القوى الاستعمارية الأوروبية ممارسة وتعمّداً للإبادة وأنّ هدفهم النهائي.. هو إفراغ الأرض من أهلها وتملكها ووضع اليد على ثرواتها».

هذه هي المسيرة الاستعمارية التي صنعت أميركا التي نشهد احتضارها الآن في شوارع غزة ومستشفياتها وكنائسها ومساجدها… لقد بدأت بإيرلندا ولم تنته بعد…

لقد تحكمت فيهم عقدة الاختيار الإلهي.. والتفوّق العرقي بسلوكهم وبنادقهم.. واستحوذت على أخلاقهم وعقولهم حتى انتهى بهم المطاف الى تأليه الذات.. وصاروا يتوهّمون أنهم يملكون حق تقرير الحياة والموت لكلّ من عداهم، وهم في حلّ من أيّ التزام إنساني أو حقوقي تجاه أحد من الشعوب… لا باعتبارها أعراقاً منحطة وحسب، بل لأنها في الغالب مخلوقات متوحشة لا تنتمي للنوع الإنساني ولا تستأهل الحياة…

والتجربة الإنكليزية هذه مع «المتوحشين» الإيرلنديين تكررت مع كل الشعوب التي اجتاحوها بدءاً بهنود أميركا الذين بنوا على أنقاض بلادهم، «إسرائيل» الأولى كما سمّوها المستعمرون الأوائل مع تأسيس أولى المستعمرات (13 مستعمرة) في شرق ما يُسمّى اليوم بالولايات المتحدة…

مروراً بتلك التي استمرت مع الهنود والعرب واليابانيين والفيتناميين ولم تنته بعد بإسرائيلهم الثانية على أرض فلسطين…

إنّ ايّ قراءة موضوعية لتاريخ اجتياحاتهم تساعدك على وضع معجم سيمفوني لطبقات الوحشية التي ارتكبها هؤلاء الزنابير… والتي يرتكبونها اليوم مجدداً واستمراراً لحملات إبادتهم السابقة في «إسرائيل» الأولى أي أميركا، في اسرائيل الثانية على الارض الفلسطينية وبشكل أكثر توحشاً من أي وقت مضى في غزة الآن…!

في أحد فصول كتابه «اميركا والإبادات الجماعية» في الفصل المعنون:

المعنى الإسرائيلي لأميركا ينقل البروفيسور منير العكش نص ما قاله جيمس بولدين النائب في الكونغرس الأميركي بين أعوام 1834 – 1839:

«إنّ قدر الهندي الذي يواجه الانكلوساكسون مثل قدر الكنعاني الذي يواجه الإسرائيلي: إنه الموت».

ثم يكتب منير العكش:

إنّ أميركا ليست إلا الفهم الانكليزي التطبيقي لفكرة «إسرائيل» التاريخية، وكلّ تفصيل من تفاصيل تاريخ الاستعمار الانكليزي لشمال أميركا… حاول أن يجد جذوره في أدبيات تلك الـ»إسرائيل» ويتبنى عقائدها في «الاختيار الإلهي» وعبادة الذات وحق تملك أرض وحياة الغير، لقد سموا أنفسهم «إسرائيليين» و«عبرانيين» و«يهوداً» وأطلقوا على العالم الجديد اسم «ارض كنعان» و«اسرائيل الجديدة» واستعاروا كل المبررات «الأخلاقية» لإبادة الهنود (الكنعانيين) واجتياح بلادهم من مخيّلات العبرانيين التاريخية!

ولعلّ فاجعة الأفريقي اوتا بنغا وقصة خطفه من الكونغو بالتعاون مع السلطات البلجيكية في 1904 ونقله الى حديقة حيوانات برونكس brronx zoo وعرضه على العامة بعد حشره في جناح القرود وفي قفص واحد مع قرد وببغاء للتأكيد على انّ الإنسان من غير «الشعب الانكلوساكسوني المختار» لا يختلف عن القرد وأنه إذا تكلم فكما يتكلم الببغاء.

كما يذكر العكش في كتابه أميركا والإبادات الجنسيّة (العرقيّة) خير تلخيص للايديولوجيا التي تقف وراء قتل وإبادة الشعب الغزاوي اليوم بكل دم بارد!

هذه هي أميركا التي قتلت بقنابلها وطائراتها وكل ما أوتيَت من توحش كلّ رمز للحياة في غزة خلال شهر كامل، لتقول من خلال هذا الفعل الشنيع للعالم الجديد الذي تريد السيطرة عليه عنوة في القرن الحادي والعشرين والذي سمّته بالقرن الأميركي، بأنّ مصير كلّ من يقاومني هو كمصير شعب غزة…

لكن على قادة أميركا الذين يتخفّون خلف عساكرهم اليوم في أساطيلهم التي تجوب بحارنا تخوّفاً من انهيار نموذجهم الاستعلائي المدوّي تحت وطأة الهزائم المتلاحقة داخلياً وخارجياً، او يقبعون في أقبية البيت الأبيض خوفاً من صيحات الـمليار ونصف المليار من المسلمين ومعهم الملايين من أحرار العالم، الصامدين بوجههم ومعهم ملايين الناجين من قوافل الموت والاستعباد التي بنت أميركا دولتها الهيمنية العظمى حجراً حجراً على أديم أرض السكان اللاتينيين الأصليين، نعم نقول لمن تبقى من القادة «الزنابير» أن يعلموا انّ زمن الخنوع والاستعباد والخضوع لقانون الغاب والإبادات الجرثومية قد ولى، وأنّ زمن انتصار الفقراء والمعدمين والمستضعفين في الأرض قد بدأ ويمضي سريعاً ليطيح بكلّ ما تبقى من أوهامهم وجبروتهم واقتصادهم وجيوشهم التي تحتضر وتتجرّع كؤوس السمّ على تخوم وأسوار وأبواب مدن وبلدات زمن المقاومة والقيام وتحقيق الوعد الإلهي بالنصر على الشيطان الأكبر وزنابيره السامة من المحيط إلى المحيط ومن القطب الى القطب.

ولن تنفع بايدن وزبانيته كلّ خطواته الهوليودية التهريجية التي يوجهها يميناً وشمالاً لإنقاذ ما تبقى من هيبة هذا النمر المترنّح والذي تحوّل فعلاً إلى نمر من ورق!

تماماً كما لن تنفع تنظيرات وتغريدات من لا يزال من بني جلدتنا ممن يراهن عليه مستجدياً إياه تقديم عروض أفضل للتعايش المذلّ، من أجل إصلاح ما تهدّم من ثقة العالم بهذا الشيطان الأكبر!

أميركا ومعها ربيبتها المنهارة والمكسورة تعيش الفصل الأخير من عمرها الافتراضي.

أتى أمر الله فلا تستعجلوه.

بعدنا طيّبين قولوا الله…