السبت - 13 ابريل 2024

 

علي عنبر السعدي ||

تحت كل نخلة – شاعر – وساردان لكل نخلة
تطورات الصفات العراقية في الأزمنة الحديثة .
في ثلاثينات القرن العشرين ،زارت العراق استاذة بريطانية من جامعة أكسفورد ،فخرجت بانطباع مفاده : تحت كلّ نخلة في العراق ،هناك شاعر .
المفارقة ان نفوس العراق كانوا آنذاك بحدود خمسة ملايين نسمة ،ونخيل العراق تتجاوز 36 مليون نخلة ، أي سبع نخلات لكل شاعر .
في الأزمنة ذاتها ،كانت الأحزاب العراقية قد بدأت بالتكاثر ،فأصبح كل عراقي شاعر وسياسي ،ثم ارتفعت نسبة التعليم وبدأت المطابع بالعمل وتكاثرت الصحف والكتب ،فأضيفت صفة أخرى : الشاعر والسياسي والقارئ .
في الأزمنة ذاتها وماحولها ، وردت الينا القصص القصيرة العالمية من تشيكوف شرقاً ، الى جيمس جويس غرباً ،فدخلت صفة خامسة : القاص ،ولأن كل هذه الفنون تحتاج الى نقّاد ، لذا صار كل عراقي هو شاعر وسياسي ومثقف وقاص وناقد .
ثم ظهرت الفضائيات وتناسلت ،فأفرزت المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي والنجم الاعلامي والناشط الاجتماعي ، فاضيفت صفات جديدة الى القائمة اعلاه .
لكن الاجتياح الأكبر كان من الرواية ، فذلك الفنّ الذي كنّا نكتفي منه في قراءة عمالقة الرواية العالمية والعربية ،دستويفسكي وليرمنتوف وتولستوي وهمنغواي والبير كامو ونجيب محفوظ وسواهم ،فيما نكتفي من عندنا بغالب طعمة فرمان ،وفؤاد التكرلي ،وعبد الرحمن مجيد الربيعي وبضعة اسماء أخرى ، كنا نقرأ لهم بشغف حيناً،ولتزجية الوقت حيناً آخر ، لكننا نعرف اسماءهم وبعض سير حياتهم وقضاياهم وأساليبهم في الكتابة .
اليوم فلت الملّق وانهارت السدود ،المطابع تكاثرت في العراق والدول العربية – مصر – سوريا – لبنان – الاردن – والفلوس توافرت للعراقيين ،لذا انهال الساردون جماعات وافراداً ،وكل يوم يظهر علينا نبت جديد لسارد جديد برواية متكررة وكأنها منسوخة (*) : شاب أسمر وسيم وشجاع ،تطارده مخابرات الطاغية ،وفتاة تذوب به حبّاً ،وتتبع أخباره ،وكلاهما يتعذبان ويعانيان قسوة الظروف والخوف – أو فتاة حسناء تتعرض لاوضاع مستحيلة لكنها تتحمل وتخرج منتصرة – وأبوك الله يرحمه – .
تناول سهل وحبكة اشبه بتقرير صحفي ،وهي هي صارت رواية ، وكم مئة دولار وطبعت ،وهي تحمل اسم صاحبها او صاحبتها ،وهي هي يطلع كم صديق ناقد فيشيد بها ،وهكذا اجتاحنا طوفان الساردين والساردات ، لتنحدر اذواقنا الى ما دون المستويات .
العراق اليوم تجاوز 42 مليوناً وفق اخر التقديرات ،ولدينا حوالي عشرين مليون نخلة – بعد حملة التشجير – لذا فكل نخلة يتنافس عليها ساردان ، أما من لايجد له صفة سردية ،فعليه ان يقعد في الشمس ،الى أن يدخل خيمة السرد وظلال الطشة ،فيتكلم من وراء أنفه باعتباره سارداً أين منه دستويفسكي ابو الصرع -.
(*) هناك تجارب قليلة لروائيين عراقيين يستحقون هذه التسمية ، وهؤلاء تضيع ابداعاتهم وسط كم هائل من التقليدية و الرداءة .