الجمعة - 23 فيراير 2024

الشرعيّة الفلسطينيّة تنتقلُ من رام الله الى غزّة و من عباس الى حماس

السفير الدكتور جواد الهنداوي

رئيس المركز العربي الاوربي للسياسات
و تعزيز القدرات /بروكسل

على غرار اندثار او غياب الشرعيّة ( يرحمها الله ) في اليمن ، ستندثر و ستُغيب شرعيّة السلطة الفلسطينية ، في رام الله ،و شرعيّة الرئيس محمود عباس ، كحال شرعية الرئيس عبد ربّه منصور هادي . لا اكتبُ ذلك نكايةً بالسلطة الفلسطينية ولا بمنظمة فتح ،ولا بالرئيس محمود عباس ،ولا بتاريخهم النضالي . ولكن الزمن دّوار ككرسي السلطة ،و الوقت الآن ليس للسلطة و لا للكرسي ،و انما الى البندقيّة و الى الميدان والى الاقوى .
غابَ عن الادراك ،على ما يبدوا ، بأنَّ امريكا والتي بيدها لجام اسرائيل ، تحترمُ القوي وتذعن له ، وتجربتهم مع طالبان في افغانستان ، خير دليل ، و لا اذهب في تفاصيل القصّة بين امريكا و طالبان ، المهم ، خاتمة القصّة حيث ذعَنتْ امريكا لمشايخ طالبان وجهادهم ،و ودّعتهم ، و سّلمت إياهم افغانستان .
شرعّية السلطة الفلسطينية مرّت بمرحلتيّن : الاولى حقيقية والثانية كانت خيالاً او ضّلاً للاولى .
وُلِدت السلطة الفلسطينية عام ١٩٩٤ ،بعد اتفاقيات اوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية ، بقيادة المرحوم ياسر عرفات و اسرائيل ، ولكن شرعيّة السلطة ، و شرعية الرئيس الراحل ياسر عرفات هي اساساً من منظمة التحرير الفلسطينية ( عام ١٩٦٤) ، والمعترف بها من قبل الامم المتحدة و دول العالم كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.
المقاومة والنضال المُسّلح لمنظمة التحرير الفلسطينية هّنَّ مقومات الشرعية الفلسطينية .هذه المقومات ،هذه الاساسات سقطت ،للاسف ،عندما ولدت السلطة الفلسطينية من رحم اتفاقيات اوسلو . كانَ الطرف القوي لهذه الاتفاقيات هي امريكا و اسرائيل ومصر و الاردن و الطرف الضعيف والمغلوب على امره كان ،للاسف ،منظمة التحرير الفلسطينية.
اشترت منظمة التحرير الفلسطينية بضاعة خاسرة ،وهي اتفاقيات اوسلو ،بثمن مصيري و باهض ، وهذا الثمن هو تأريخها و نضالها المُسلّح و مقاومتها و شرعيتها .
استبدلت منظمة التحرير الفلسطينية شرعيتها الحقيقية النضالية ،وتمثيلها للشعب الفلسطيني ، بشرعية سياسية وهميّة ،اكتسبتها من اتفاقيات اوسلو ، فاصبحت سلطة فلسطينية ، تمثّلُ فقط مؤيدي اتفاقيات اوسلوا ، وهذه هي المرحلة الثانية للشرعية الفلسطينية ، وهي مرحلة الشرعيّة غير الجامعة للشعب الفلسطيني.
القضية الفلسطينية و متعلقاتها ( السلطة الفلسطينية ، الشرعية الفلسطينية ، حّلْ الدولتيّن ،اسرائيل ) لم تعّدْ كما كانت قبل ٧ تشرين الاول ، تاريخ طوفان الاقصى .
مركز القضيّة هاجرَ الضفة الغربية ، وهاجرَ السلطة الفلسطينية ، و وُجدَ بيتهِ في غزّة و اكتسى بشرعية المقاومة ،مرّة اخرى ، و أصبحَت المقاومة الفلسطينية في غزّة و الضفة هي التي تمثّلُ الشعب الفلسطيني ،وهي التي تتبنى القضيّة .
أدركت الشعوب الحّرة في العالم على عدالة القضيّة الفلسطينية ،وعلى همجيّة اسرائيل من خلال مقاومة غزّة ، ومن خلال مقاتلي حماس ،وليس من خلال اتفاقيات اوسلو و التعاون الامني بين السلطة الفلسطينية و اسرائيل .
ادركت امريكا ايضاً بأنَّ مركز القضية الفلسطينية اصبحت غزّة وليست الضفة ، وستتفاوض غداً و بعد غد مع حماس وليس مع السلطة الفلسطينية ، وما يجري اليوم مِنْ صفقات في موضوع الهدنة و الاسرى و وقف الحرب ،ما هي الاّ مفاوضات غير مباشرة بين حماس و اسرائيل ،بين حماس و امريكا . و اصبحت حماس هي مُراد الشعب الفلسطيني ، و المقاومة هي طريقه .
ستكون شرعية السلطة الفلسطينية ،للاسف ، علاقة بين اسرائيل و السلطة ، فحواها التنسيق الامني بينهما وتبادل المعلومات ، والنحيب على الاطلال و الذكريات .
حققّت حماس ،ليس فقط نصراً عسكرياً ، وانما سياسياً و اعلامياً ،وأثبتت للعالم بانها ليست منظمة ( يصفها البعض ارهابية ) ، وانما سلطة تحرّرية و انسانية ،وبكل ما تعنيه المفردات من معنى .انتصرت حماس على قوى الاستسلام الفلسطينية و العربية ،قبل ان تنتصر على اسرائيل ، و تُحرّر العالم من الصوّر المُزيّفة التي نشرتها ماكنة الاعلام الصهيونية و الرجعيّة عن غزّة و عن حماس .