الجمعة - 23 فيراير 2024

التضحية من نصيب العظماء السيدة الزهراء أنموذجا

منذ 3 أشهر

د.أمل الأسدي

((سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ)) من هذه الصيغ الفخمة التي تأخذ الروح الإنسانية إلی الأعالي الرحمانية بدأنا الحديث عن الحق والحقيقة، فهذا المستوی البلاغي الذي جسدته(سبوح، قدوس) وصوت الضمة القوي الذي يشدّك نحو الأعلی، ويستدعيك لتنتبه إلی صاحب الحقيقة، المتحكم الذي خلق هذه العوالم المتسقة، المنظمة، المأمورة بخدمة البشرية!

إن لهذا الخلق العظيم قضيةً، وهي قضية الحق، قضية الله الخالق الوهاب الواحد الأحد، ولابد من حماية هذه القضية، وبما أن القضية عظيمة إلی الحد الذي يوازي ما قدمه حديث(سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ) فلا بد من اصطفاء مَن يقوم بأعباء هذه الحماية والتجسيد الأمثل، التجسيد المنشود للحق علی أرض البشرية؛ لهذا لايليق بهذا الاصطفاء إلا العظماء!!
العظماء الذين يدركون معنی السبوح القدوس، العظماء الذين تنمحق ذواتهم أمام خالق هذا الكون، العظماء الذين يتمكنون من التضحية، ويرتضون التضحيةَ، ويسعون إليها وهم في قمة التسليم والرضا!
ومن أعظم صور التضحية التي تليق بـ(سبوح- قدوس)
تضحية فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفی(صلوات الله عليهم) فتخيل أن امرأةً رحمانيةً قدمت في عصرِ الوأدِ والتصحر والأعرابية؛ تنهضُ لتعلِّم البشريةَ معنی التضحية من أجل قضية الحق!
من أجل قضية الله، من أجل الجمال المطلق!
إنها امرأةٌ ربتها تضحيةُ أمها خديجة(عليها السلام) وتضحية والدها الرسول الأعظم(صلی الله عليه وآله) وجعلتها الأنموذج النسوي الأمثل في القدرةِ علی التضحيةِ من أجل قضايا الله، فلم يكن موقفُها موقفا ذاتيا، شخصيا، أو مصلحيا، أو متعلقا بأمورٍ دنيوية، لم تبحث عن المال والسلطة، إنما واجهت وقاومت وقادت وألقت وزلزلت من أجل قضية الحق، من أجل طاعة الحق، من أجل الاستجابة للـ(السبوح القدوس).
إنها من بيتٍ يحمل قضيةَ الله، من بيت عارفٍ بالله، من بيتٍ يدركُ أن التضحيةَ من نصيبه!
وأن تضحيته تضحيةٌ مستمرة، لا تنتهي، حتی ترتفع رايات الحق عاليا، وحتی ينهزم الباطل ويندحر!
نعم، إنها الزهراء العظيمة، فتعالوا واستمعوا إلی صوتها وهي تؤكد أنها خرجت من أجل قضية الحق، قضية الله، إذ تقول:”أيها الناس اعلموا أني فاطمة وأبي محمد، أقول عودا وبدءا، ولا أقول ما أقول غلطا، ولا أفعل ما أفعل شططا(( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم))”
ثم أخذت تعدد ضروب تضحيات البيت المحمدي العلوي من أجل الحق، وأرادت بذلك أن تبين لنا أن قضيتها قضية الإسلام، قضية الإيمان، قضية المولی،قضية القدوس وليست قضية الحق الخاص!
فهي من العظماء الذين رضوا بالتضحية أسلوبا حياتيا، وسلوكا تربويا، وطريقا سالكاً إلی الحياة الحقيقة!
وعلينا اليوم أن نصل إلی مستوی الإدراك الذي نعي فيه معنی “تضحية العظماء من أجل الحق” وتترتب علی هذا الوعي أمور عديدة، أولها:
ـ عدم احتجاز دور السيدة الزهراء الإنساني العالمي في إطار المحلية.
ـ عدم احتجاز نورها خلف الباب.
ـ عدم احتجاز عطائها وتحجيمه بالتركيز علی مواجهة الأنداد، وفي الحقيقة لايوجد ند للزهراء(ع) فهي من العظماء الذين اصطفاهم الله للتضحية من أجل قضايا الحق.
ـ عدم تجميد دورها التربوي ضمن الأيقونة المقدسة وحسب!! فهي قدوة وأسوة ودورها منهج حياتي علينا الإفادة منه وتحويله الی مدرسةٍ، بدل من احتجازه كأيقونة جامدة.
ـ علينا أن نتعلم من الزهراء أن نواجه الباطل ذاته الذي واجهته وفضحته،فمصاديق الباطل مازالت حاضرة، ومازالت تحارب الحق، وهذا يتطلب منا فهما يخرجنا من المحلية القطرية والقومية إلی عوالم “سبوح قدوس” الرحمانية التي تحمي الإنسان وتحفظ كرامته، فعلينا تعرية الوجوه والمواقف التي تمثل خط الباطل في لحظتنا التي نعيشها ومن ذلك مواقف الدول المطبعة التي جلست تتفرج علی دماء الأبرياء.

ـ علينا أيضا أن نجعل مناسبة قيام الزهراء(عليها السلام) مناسبةً لبناء الذات الإسلامية التي تعاني التقزم بإزاء الذات الغربية، وذلك نتيجة الحرب الباطلة التي تُشن في كل عصر ومصر علی الإسلام، حتی باتت الذات المسلمة تغرق بالدونية!
– علينا أن نتعلم من الزهراء(عليها السلام) الفطنة والدقة في اتخاذ المواقف، فلو تأخرت عن إعلان موقفها، ربما لم يصل صوتها إلينا وإلی العالم ولم يستمر حتی هذه اللحظة، لنتعلم منها الفطنة ونشخص مواطن الخطر التي تحيط بنا، وعلی رأس هذه المخاطر: الحرب علی الهوية الإسلامية، الحرب التي تسير من دون اتخاذ موقف حازمٍ منها، ألا وهي ما يسمی بالديانة الإبراهيمية، التي تزيت بأزياء براقة، جميلة في ظاهرها،خبيثة في باطنها، كـ: نحن أبناء الأرض، نحن أبناء إبراهيم، أبناء العم، علينا حماية الأرض، إنصاف المرأة، المساواة… مشاريع السياحة والأفواج الدينية…الخ

إذن؛ علينا أن ننتمي إلی خط السيدة الزهراء ومدرستها، خط العظماء الذين يضحون من أجل قضايا الحق، يضحون من أجل التوحيد العملي الحركي المتجسد في الواقع، أي أن يكون الخطاب الإسلامي واعيا بحجم المخاطر التي تحيط به، أن يكون الخطاب مناسبا للمرحلة التي نعيشها، وقد قالت السيدة الزهراء(عليها السلام) ومازالت حروفها مُستنهِضةً:(. فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك… وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام).