الأربعاء - 21 فيراير 2024
منذ 3 أشهر
الأربعاء - 21 فيراير 2024

بقلم : عبود مزهر الكرخي
—————————–
يبدو ومن وقائع الأحداث التي تجري في عالمنا الإسلامي والعربي أنه ظهر لنا مفهوم واصطلاح إلى حفنة من الأشخاص يطلق عليهم(المتصهينين العرب)، وهم يحملون أسم أنهم عرب ولكنهم في الحقيقة هم صهاينة يحملون الفكر الصهيوني، وبأشد من أنفسهم الصهاينة.
ولهذا كان من الواجب فهم ظاهرة هؤلاء الصهاينة وما يحملونه وأفكار وأجندات وتحليل هذه الظاهرة وتفكيكها، فهذا الأمر هو يتجاوز ظاهرة العداء والكيد إلى المقاومة الفلسطينية، وهو حالة تمثل “تحول استراتيجي” في توجهات هؤلاء الحفنة من العرب، ليتضح الأمر أننا أمام تيار جديد يحمل أفكار وأجندة واضحة مدعومة محليًا وإقليميًا ودوليًا، وهذا التيار هو الركيزة الأساسية إلى أفكار التطبيع وإقامه العلاقات الطبيعية مع الكيان من الناحية السياسية والتجارية وحتى الأمنية.
ونستطيع القول أن تيار “الصهاينة العرب” هو العفنة الي انتجت من مؤتمر “أوسلو”(1) والذي حدث قبل ثلاثة عقود، وكان الغرض الاعتراف بالكيان الصهيوني ممثلة بإسرائيل، ونزع سلاح المقاومة الفلسطينية مقابل لا شيء : لا سلامَ ولا أرضَ ولا حقوق. وهو المسار الذي تبنته بعض الحكومات العربية التي طبّعت مع الاحتلال الإسرائيلي، وسعت إلى تسويق التطبيع وترويجه رسميًا وشعبيًا، والذي بسببه تم حدوث انشقاقات في المقاومة الفلسطينية رافضة لهذا الاتفاق وظهور منظمات مقاومة للاحتلال الصهيوني من امثال الجبهة الشعبية وكتائب الأقصى وبعدها حركة حماس الإسلامية…وغيرها. وكان هدف هؤلاء وهذا التيار هو العمل على مرحلتين :
الأول : إقامة علاقات دبلوماسية كامله ومنفردة مع كل بلد، سواء كان بفتح سفارات أو قنصليات أو حتى مكاتب تجارية مع الكيان الغاصب المحتل الصهيوني وهو ما حدث مع دول عربان الخليج وحتى في البداية من خلال السماح للطيران الصهيوني بالمرور عبر الأجواء التي تريد التطبيع مع الكيان، وهذا الأمر حدث مع حكام آل سعود قبل طوفان الأقصى، ليتم بعدها المضي وإلى مراحل متقدمة مع تلك الدول كما حدث مع الأمارات والبحرين والمغرب ومصر والأردن وباقي الدول العربية والإسلامية، والتي وصلت في الأمارات إقامة كنيس يهودي فيها لممارسة اليهود طقوسهم الدينية.
الثاني تكون ثقافية وإعلامية، وهو المهم من خلال تشجيع النخب المثقفة والإعلامية بالترويج إلى دعوات التطبيع مع الكيان الصهيوني، والقبول بواقع التعايش مع هذا الكيان اللقيط، قبل التوصل لأي اتفاق مع الفلسطينيين وإعطاء حقوقهم المشروعة، وقد تمت زيارات عدة من بعض هؤلاء المثقفين والإعلاميين إلى تل أبيب، والتقوا مسؤولين إسرائيليين رسميين وغير رسميين طوال العقود الماضية. وهي الظاهرة التي زادت بشكل واضح بعد الموجة الأخيرة للتطبيع مع إسرائيل التي قامت بها الإمارات، والبحرين، والمغرب، ومن أمثال هؤلاء الكاتب الصحفي المصري الدكتور أسامة الغزالي حرب، الذي يعد أكبر رموز المطبعين مع إسرائيل وقد نشر مقالا في صحيفة الأهرام، يعتذر فيه عن كونه أحد مؤيدي التطبيع مع إسرائيل، وبعد طوفان ألأقصى وما قام به الكيان الصهيوني من مجازر ومذابح بحق أهل غزة والشعب الفلسطيني عموماً.
وقدم حرب الاعتذار لكل فلسطيني عن موقفه وحسن ظنه بإسرائيل بسبب ما وصفه بجرائمها الفظيعة ضد الفلسطينيين، والذي ننقل فيه مقتطفات منه، وجاء نص المقال كالتالي :
” هذا اعتذار أعلنه – أنا أسامة الغزالي حرب- كاتب هذه الكلمات، عن موقفي الذي اتخذته ، كواحد من مثقفي مصر والعالم العربي، إزاء الصراع العربي الإسرائيلي، بعد نصف قرن من المعايشة ومئات الدراسات والأبحاث العلمية والمقالات الصحفية، والمقابلات الصحفية، والزيارات الميدانية! “…ويضيف ” وقمت عقب تلك المبادرة بزيارة إسرائيل مع وفد برئاسة الراحل الكبير د. أسامة الباز. وتفاءلت بعد توقيع اتفاقات السلام من الأردن (1994) ثم مع منظمة التحرير بين ياسر عرفت واسحق رابين ( أوسلو 1، وأوسلو2) برعاية أمريكية. وتحملت بعد ذلك الإدانات من معارضي “التطبيع” من المثقفين المصريين والنقابات المهنية وعلى رأسها نقابة الصحفيين.. وكان رأيي، أنه بعد أن استعادت مصر كل شبر من أرضها، رافعة رأسها ومؤكدة كرامتها، يمكنها إقامة بناء علاقات سلام رسمية، مع الحق الثابت للمواطن المصري في أن يتقبلها أو يرفضها. … وكنت أنا ممن قبلوها، متفائلا بأن تسهم تلك الخطوات في استكمال السلام الذي يعيد للفلسطينيين حقوقهم السليبة…..”
وكانت أول طلقات الرحمة على المقاطعة العربية إلى الكيان هو مؤتمر كوبنهاغن، وقد وضف فيه الصهاينة كل الجهود الإعلامية والسياسية من أجل أنجاح هذا المؤتمر وكسر العزلة السياسية للكيان، وقد ضم المؤتمر أكثر من ستين شخصية صهيونية ومثلها من الجانب المصري والعربي، وعقد يومي(29)و(30)يناير/كانون الثاني عام(1997)، في العاصمة الدانماركية، تحت رعاية الاتحاد الأوروبي والحكومة الدانماركية. وقد أثار المؤتمر لغطًا كبيرًا في الأوساط العربية، آنذاك، ورآه كثيرون “نكوصًا” وارتدادًا عن الرفض الشعبي للتطبيع مع الصهاينة، والخطير في الأمر أنه اصبح هؤلاء الشخوص الحاضرين في هذا المؤتمر(أي جماعة كوبنهاغن)يمثلون رأس حربة مجرمة لتيار عربي، ليزداد حضوراً وتأثيراً في أوساط النخب العربية، والمهمة الأساس له هو الترويج إلى مسألة التطبيع مع الصهاينة، ونبذ المقاومة الفلسطينية، ودعم عملية السلام، وإن لم تحقق شيئًا.
لتلي بعد المؤتمر لقاءات وزيارات متبادلة بين مسؤولين صهاينة ومثقفين مصريين وعرب وحتى خليجين، بل والأخطر حصول لقاءات بين رجال دين صهاينة وبعض مشايخ الأزهر، وكان من أشهرها لقاءُ شيخ الأزهر السابق، محمد سيد طنطاوي مع السفير الإسرائيلي في القاهرة في أكتوبر/تشرين الأول(1997)، ثم لقاؤُه مع كبير حاخامات الطائفة الأشكنازية الإسرائيلية في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.
وكان الهدف من تلك اللقاءات الضغط على شيخ الأزهر، من أجل إدانة أعمال المقاومة الفلسطينية وإصدار فتوى بشأن ذلك. والأمر الغريب والذي يبعث على الغضب أن شيخ الأزهر قد دافع عن تلك اللقاءات مع الحاخامات الصهاينة، بعد أن انتقده العديد من رموز المقاطعة المصرية والعربية، وبعد مرور عدة عقود على” مؤتمر أوسلو” ووصول عملية السلام المزعومة إلى طريق مسدود. تحولت تلك الحفنة إلى ” تيار ” يضم مثقفين وإعلاميين وأدباء ورجال دين، لا يدافع فقط عن منهج “السلام المجاني” مع إسرائيل، وإنما يدين المقاومة الفلسطينية ويشجبها.
والذي سوف نناقش في جزئنا القادم أن شاء الله تطورات هذا التيار المتصهين وبروزه على ساحة الأحداث العربي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ اتفاقية أو معاهدة أوسلو، أو أوسلو 1، والمعروفة رسمياً باسم إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي هو اتفاق سلام وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة واشنطن الأمريكية في 13 سبتمبر 1993، بحضور الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. وسمي الاتفاق نسبة إلى مدينة أوسلو النرويجية التي تمت فيها المحادثات السرّية التي تمت في عام 1991 أفرزت هذا الاتفاق في ما عرف بمؤتمر مدريد.