الجمعة - 23 فيراير 2024

تساؤلاتٌ إسرائيلية عن جدوى الجباية وحصاد الستين يوماً “2”

د. مصطفى يوسف اللداوي
لم تكتف حركة حماس من وجهة نظر عامة الإسرائيليين بجباية الأرواح، إذ قتل مقاوموها خلال المناورات البرية أكثر من مائة جندياً وضابطاً، وأصابوا أكثر من خمسة آلاف بجراحٍ مختلفة، وذلك وفق إحصائيات الجيش التي يشككون في مدى صحتها ومصداقيتها، ويظنون أن قيادة الجيش تخفي عنهم حقيقة الخسائر التي هي أعلى بكثير مما هو معلن.

إلا أنها جبت أشياء أخرى قوامها الخوف والقلق والتوجس، الذي سيطر على عامة المستوطنين وطغى عليهم، وبات من الصعب عليهم التخلص من عقدة الخوف والرعب التي زرعها عناصر القسام في نفوسهم، وقد خلت بلدات الغلاف كلها حتى عمق أربعين كلم من ساكنيها، ومثلها بلدات الشمال التي لم يعد إليها أهلها، ولا يبدو أن أحداً في الشمال أو الجنوب سيعود، ما بقي حزب الله في الشمال يهددهم، وحركة حماس في الجنوب تتوعدهم.

كما جففت المقاومة الفلسطينية الشارع الإسرائيلي من الشباب والقوى العاملة، بعد استدعاء أكثر من ثلاثمائة ألفاً من الاحتياط، بالإضافة إلى 170 ألف جندي في الخدمة النظامية، ولا يوجد من يعوض عنهم من الأيدي العاملة الفلسطينية التي اضطرت أو أجبرت على العودة إلى بيوتها، مما أثر على الاقتصاد وسوق العمل والإنتاج العام في البلاد، في أسوأ أزمةٍ اقتصادية يشهدها الإسرائيليون، ولا يوجد ما يبشر بقرب علاجها، رغم تدخل البنك المركزي والدفع باحتياطاته الاستراتيجية إلى الأسواق، فضلاً عن الدعم الأمريكي المباشر، ومحاولات حقن الاقتصاد بحلولٍ عاجلة ومسكناتٍ سريعة.

كما يعترف الإسرائيليون أنهم لن يستطيعوا دفن رؤوسهم في الرمال كالأنعام بعد انتهاء الحرب، فصورتهم لدى دول العالم أصبحت صورة مقيتة ظالمة قاتلة، وقد ظهر جيشهم وهو يقتل الأطفال والنساء والشيوخ ويدمر معالم الحياة، ويقضي على كل صور العيش الكريم، في أبشع المجازر والمذابح التي ارتكبت ضد الإنسانية في العصر الحديث، ويعتقدون بأن عشرات السنوات القادمة، لن تكفيهم لردم هذه الهوة، وطمس الصورة التي أحدثتها آلتهم العسكرية الوحشية، وسيكونون ملزمين أمام العالم لتقديم إجاباتٍ عن مستقبل الفلسطينيين الذي دمروه وأفسدوه.

أما بالنسبة لعملية التطبيع الواسعة التي منوا أنفسهم بها مع الدول العربية والمملكة العربية السعودية، فقد ذهبت أدراج الرياح، ولم يعد ممكنا للدول العربية مواصلة الخطوات التي بدأت بها، بل إن الدول العربية التي ترتبط مع إسرائيل باتفاقيات سلامٍ قديمة، أصبحت أقرب إلى تجميدها أو الانسحاب منها، وقد حذرت مصر والأردن من أن الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين تهدد استمرار اتفاقيات السلام معها.

ومن جهةٍ أخرى يقر الإسرائيليون أن قيادتهم السياسية قيادة غير حكيمة، وأنها لا تعمل لصالحهم ولا لمستقبل كيانهم، بل هي قيادة شخصية نرجسية أنانية متغطرسة، لا يفكر رئيسها إلا في مصلحته وفي بقائه رئيساً للحكومة، وفي مستقبله السياسي وائتلافه الحاكم، ولا يعنيه استنزاف الشعب أو قتل الأسرى ، إن لم يكن يريد فعلاً الخلاص منهم، والتحرر من المسؤولية عنهم، ليطلق يد جيشه أكثر في الإمعان ضد الفلسطينيين والإثخان فيهم، وهو بدلاً من استنقاذهم واستعادتهم بأثمانٍ أقل، يضطر إلى التضحية بحياة جنوده وكبار ضباطه، الذين يقتلون في شوارع غزة دون أدنى إنجازٍ يحلمون به.

كما يبدي الإسرائيليون وهم الأغلبية قلقهم الشديد من سياستي بن غفير وسموتريتش، الذين يرعيان الإرهاب الرسمي للدولة، ويشجعان المستوطنين على حمل السلاح ومهاجمة الفلسطينيين والاعتداء عليهم، وقد غدا الشارع الإسرائيلي مسلحاً، وأصبح حمل السلاح في الشارع مشروعاً، الأمر الذي يسهل اندلاع حربٍ أهليةٍ في حال اشتعال فتيلها، ووقوع خطأٍ غير محسوبٍ قد يؤدي إلى انفجارها، ولا يوجد ما ينفي وقوع هذا الاحتمال في ظل تردي الأوضاع العامة، وإصرار الحكومة ورئيسها على مواقفهم، وتمسكهم بالسلطة ورفضهم دعوات الاستقالة والدعوة إلى انتخاباتٍ مبكرة، مخافة التحقيق والمساءلة ورفض اتهامهم بالتقصير، وتحمل المسؤولية عما جرى.

لسان حال الإسرائيليين يقول إن ما جبته حماس منا أكبر من قدرتنا على احتماله، وأكثر بكثير مما رصدته أجهزتنا ومؤسساتنا، وما ستظهره الأيام أكثر بكثير مما جبته بالدم والنار، فقد أسست حماس لمستقبلٍ جديدٍ للشعب الفلسطيني والمنطقة، ووضعت حداً فاصلاً لتفوق إسرائيل وهيمنتها، وأرست قواعد مرحلةٍ جديدةٍ قد لا يكون فيها لإسرائيل موطأ قدم، أو حق الوجود والبقاء، بينما وضع الفلسطينيون أقدامهم على عتبة الخلاص، وبداية الانعتاق واستعادة الحقوق والعودة إلى الأرض والديار.