الخميس - 20 يونيو 2024

هل حرب غزة…حرب دينية؟ / 3

عبود مزهر الكرخي

والآن لنسأل سؤال وهو سؤال يتبادر عند الكثير من الناس هو :هل اطماع الصهاينة والعقيدة اليهودية والصهيونية هي فقط عند حدود فلسطين واقامة دولتهم المزعومة ؟ وإقامة هيكل داود؟ باعتقادي أن كل الوقائع الماضية والحالية تفند هذا السؤال، وهو سؤال يدخل في العقيدة اليهودية، أو العقيدة الصهيونية، أو عقيدة إسرائيل الكبرى، وهذه العقيدة تنطلق من تفسير توراتى، يزعم أن حدود الدولة الإسرائيلية تمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في سوريا والعراق، وسوف نجده مدوناً على مدخل الكنيست: ” ولما تجلى الرب على إبراهام، منحه الأرض المقدسة من النيل إلى الفرات»، وكذلك سوف نجده متداولاً في المناهج الدراسية: ” في ذلك اليوم عقد الله ميثاقاً مع أبرام قائلاً: ” سأعطى نسلك هذه الأرض، من وادى العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات، أرض القينيين، والقنزيين، والقدمونيين، والحيثيين، والفرزيين، والرفائيين، والأموريين، والكنعانيين، والجرجاشيين، واليبوسيين “(1)، حيث يذكر عهد الله مع إبراهيم.
وهذا المخطط كانت معالمه واضحة منذ اللحظات لإقامة دولة خاصة باليهود ومع ظهور مؤسس الدولة الصهيونية (تيودور هيرتزل)، عام(1904)، وأعلن صراحةً أن حدود دولة إسرائيل تمتد من ” نهر مصر إلى الفرات “، وهو ما ردده صراحةً أيضا الحاخام فيشمان عام (1947)، في شهادته للجنة التحقيق الخاصة للأمم المتحدة، وظلت الأمور على هذا النحو حتى عام(2014)، عندما تداول نشطاء إسرائيليون على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) خريطة ، وصفوها بـ«مملكة إسرائيل الكبرى»، «مملكة داوود»، وتضم الخريطة مصر وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان وجزءً من السعودية والعراق، والتي يطلقون عليها أرض الميعاد وهي إسرائيل الكبرى كما ذكرنا من قبل.
وفي رسالة إلى ابنه في وقت لاحق من ذلك العام، صرّح ديفيد بن غوريون أن التقسيم سيكون مقبولًا ولكن كخطوة أولى. كتب بن غوريون «هذا بسبب أن هذه الحيازة المتزايدة ليست ذات أهمية في حد ذاتها فحسب، بل لأنه من خلالها تزيد من قوتنا، وكل زيادة في القوة تساعد في حيازة الأرض ككل. إقامة الدولة، حتى لو كانت فقط على جزء من الأرض، هي التعزيز الأقصى لقواتنا في الوقت الحالي ودفعة قوية لمساعينا التاريخية لتحرير البلد بأكمله». أعرب بن غوريون عن الرأي نفسه في مناسبات أخرى، مثل الاجتماع التنفيذي للوكالة اليهودية في يونيو(1938)، وكذلك فعل حاييم وايزمان. قال بن غوريون: «سنحطم هذه الحدود التي تُفرض علينا، وليس بالضرورة عن طريق الحرب. أعتقد أنه يمكن التوصل إلى اتفاق بيننا وبين الدولة العربية في مستقبل غير بعيد».
ولهذا كان الحلم الصهيوني هو دولة إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات، ومن هنا كان لم يكن احتلال العراق مغامرة سيئة الإعداد فحسب, ولكنها كانت أيضا استلهام القصص والأساطير الدينية التي توسل بها اليمين الأميركي في انطلاقه للسيطرة على بلاد الرافدين،
ومن هنا فإن إسرائيل دائما ترى أن العراق عدو استراتيجي, وأضاف أن الحرب التي قادتها أميركا حققت بعض أهدافها العسكرية الخالصة بتدمير البنى التحتية للدولة العراقية لكنها فشلت في استعادة الدولة أو توفير حياة كريمة للمواطنين كما حققت “هدف إسرائيل الأثير وهو تدمير القوات المسلحة العراقية” بلا خسائر إسرائيلية.
وأشار إلى أن بوش الابن بعد أن أصبح رئيسا في يناير/كانون الثاني 2001 سعى مع مستشاريه “نحو حملتهم الصليبية” للإطاحة بصدام حسين, وأن إسرائيل كانت خلال الحرب تقدم برامج تدريب نظرية وميدانية للقوات الخاصة الأميركية عن الأساليب الوحشية التي تستخدمها لقمع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ويقول الكاتب والصحفي “جون كولي” في كتابه ( اتحاد ضد بابل الولايات المتحدة وإسرائيل والعراق ) الصادر باللغة الإنكليزية من ( جامعة ميتشغان كلية الصحافة ) :
فلا عجب ان يكون أول طيارين وهما المقدم ديفيد تومي والرائد مارك من السرب الثامن ممن نفذوا القصف الجوي على العراق في فجر يوم 19 آذار 2014 يقودان طائرتي شبح اف 117 كانا يهوديين !!
ولهذا يعتبرون بابل هي مركز الشر والعراق بضمنها، وينظر اليهود إلى بابل بأنها المدينة الملعونة لأنها لعنت في التوراة لأسباب تتعلق باضطهاد اليهود وتدمير مدينتهم وأخذهم أسرى إلى بابل، في إشارة إلى أن التوراة كتبت من قبل الكهنة في أرض بابل خلال السبي البابلي، بعدما تعرف اليهود على النصوص البابلية، ولذلك يهتم اليهود بالحضارة البابلية لأنهم يعتبرون أنفسهم مرتبطين ببابل لوجودهم فيها لفترات زمنية طويلة.
وما جاء في سفر إشعياء “(2) تصير بابل خراباً مثل سدوم وعمورة “، ” لا تُسكَن أبداً “(3).
لكن حلم الجماعات اليهودية المتفرقة في جميع أنحاء الأرض في العودة إلى فلسطين، ومن ثم ممارسة الانتقام من الآخر الذي ساهم في إحداث النهايات الأولى في تاريخهم لم تكن تتجاوز قبل الحركة الصهيونية العقيدة الدينية التي تنتظر التدخل الإلهي في صنع ذلك في آخر الزمن. ولهذا كان قيام الحركة الصهيونية التي لاقت معارضة من بعض الجماعات اليهودية التي تؤمن بالتدبير الإلهي لحوادث الزمن، وقد ورد في سفر إشعيا: «في ذلك اليوم يرتفع أصلُ يسّي (أبو داود) راية للشعوب. تطلبه الأمم ويكون موطنه مجيداً. لافتداء بقية شعبه في أشور ومصر …ويرفع الرب راية في الأمم ليجمع حولها المنفيين من بني إسرائيل والمشتتين من بيت يهوذا في أربعة أطراف الأرض…فيجتاحون معاً سفوح الفلسطّيين (الفلسطينيين) غرباً، وينهبون بني المشرق جميعاً يلقون أيديهم على أدوم وموآب ويكون بنو عمون (عمان) في طاعتهم»(4).
ومن هنا فأن الأطماع الصهيونية لا تنحصر في إقامة دولتهم الصهيونية المزعومة في حدود فلسطين فقط، بل هي أطماع تمتد الى غايات ومرامي خبيثة ومجرمة تتجاوز هذه الحدود والتي عرجنا على العراق مثلاً لها، ونوضح في جزئنا القادم إن شاء الله أطماع بنو صهيون في حدود دولتهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر :
1 ـ التفسير اليهودي للتوراة كما في سفر التكوين 15:18-21
2 ـ إشعياء 13: 19.
3 ـ إرميا 51: 26، إشعياء 13: 20
4 ـ إشعيا: 11: 10-14.