الأحد - 23 يونيو 2024

لماذا تحّدثَ الوزير بلينكن من القاهرة عن ” عُزلة أيران ” ؟

السفير الدكتور جواد الهنداوي

رئيس المركز العربي الأوربي للسياسات
و تعزيز القدرات /بروكسل / في ٢٠٢٤/١/١٢
عجبتُ لما جاءَ في حديث وزير خارجية
الولايات المتحدة الأمريكية،السيد بلينكن ، مع الرئيس السيسي ،خلال لقاءه به يوم ٢٠٢٤/١/١١، في القاهرة ، وهو يقول له ” بأنَّ التقارب بين الدول العربية و إسرائيل هو الطريق الأفضل لعزل إيران ” !
سببَ عجبي أمران : الاول هو ان يردُ موضوع الحديث ، وهو عُزلة ايران ،في آخر محطة من محطات جولة الوزير الشرق اوسطّية ، اي في القاهرة ، و بعد لقاءاته في الأردن والبحرين و رام الله و اسرائيل طبعاً . واذا اعتمدنا على القول المأثور ” تُقاس الأمور في خواتمها “، يبدو خاتمة جولة السيد الوزير ،الشرق الاوسطّيّة ، كان موضوع إيران وليس غزّة ! هذا لا يعني ان الرجل لم يتناول موضوع غزّة و موضوع القضية الفلسطينية و امن اسرائيل وحقها في ” الدفاع عن النفس” ، ولكن ما بقيَّ عالقاً في ذهنه هو ما يشغل عقله وعقل الرئيس بايدن ، وعقل نتنياهو ، إلا وهو أيران ! الأمر الثاني الذي يُثير العجب هو درجة التخبّطْ الذي تعيشهُ الادارة و الدبلوماسيّة الأمريكية ! فهو يتحّدث عن التقارب العربي الاسرائيلي في ظرف والحكومات العربية التي لها علاقات دبلوماسية وتطبيعيّة مع الكيان المحتل تشعرُ بحرج امام شعوبها و امام التاريخ ازاء ما ترتكبه إسرائيل من جرائم ابادة وحرب و إنسانية ، واليوم في قفص الاتهام امام محكمة العدل الدوليّة . يتحدّث عن التقارب العربي الاسرائيلي ، لا مِنْ اجل وقف جرائم إسرائيل في غزّة و الضفة الغربية ، و لا من اجل ايجاد حلًا للقضية الفلسطينية، و لا من اجل أمن و استقرار المنطقة ، ولكن من اجل ” عُزلة ايران ” !
وكأنَّ مشكلة المنطقة او مشكلة الشرق الأوسط أيران !
قد تكون أيران مشكلة لأمريكا ، و قد تكون كوريا الشمالية مشكلة لأمريكا ،وكذلك روسيا ،وكذلك الصين ..
ولكن ، مشكلة المنطقة بدولها وشعوبها إسرائيل وليس ايران ! إسرائيل كتاريخ و كحاضر و مستقبل ، هي المشكلة في المنطقة .
ولكن ،لماذا تطّرق بلينكن ،و من القاهرة ، إلى ضرورة ” عزل ايران ” مؤكّداً بأن التقارب العربي الإسرائيلي يكفلُ تحقيق ” عُزلة ايران ” ؟ مع العلم انه ليس موضوع الساعة ، وان امريكا تتبنى الآن سياسة الجزرة مع ايران ،على الاقل ظاهرياً ، وإنَّ الساعة حافلة بمواضيع اخرى و مُلّحة ، منها صولة اليمن و الملاحة في البحر الأحمر ، ومحاكمة إسرائيل و ما يجري في غزّة و إسرائيل ، وغيرها !
سبب تطّرق الوزير إلى ” عُزلة ايران ” هو فشل جولته الشرق اوسطيّة وفي جميع محطاتها ، فأستعانَ بشمّاعة أيران كالعادة ، وارادَ ايضاً تبيان اهمية موضوع العلاقات العربية الاسرائيلية في ظرف عصيب يمّرُ فيه الكيان .
والسبب الآخر هو ارسال اشارة اعلامية صريحة و واضحة إلى جمهورية مصر العربية بأمتعاض امريكا من انباء عن جهود نحو اعادة العلاقات الدبلوماسية بين ايران و مصر ، وتُبذل هذه الجهود نحو اعادة العلاقات في الوقت الذي يوافق الكونغرس الأمريكي على تزويد مصر بصفقة اسلحة جديدة .
حديث السيد الوزير عن عُزلة إيران يخالف الواقع ، و أصبحَ من الأرشيف ، فالذي يواجهُ خطر العُزلة في المنطقة وفي العالم ،اليوم ، أمريكا وليس إيران .
ما تواجهه امريكا في المنطقة ،ليس فقط عُزلة ،وانما مقاومة مُسّلحة ضّدَ قواعدها و تحركاتها برّاً و بحّراً ، وبسبب سياساتها و دعمها اللامحدود لإسرائيل ،وهي تقترفُ جرائم الابادة في قطاع غزّة . كما تواجه امريكا رأي عام دولي مناهض لسياساتها العدوانية الداعمة لجرائم الابادة والتطهير العرقي والتهجير القسري ،والتي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزّة .