الأربعاء - 12 يونيو 2024

الضوء الشارد والواقع

منذ 5 أشهر

د.أمل الأسدي

 

” الضوء الشارد” من أروع الأعمال الدرامية التي حجزت مكانها في ذاكرة تسعينيات القرن الماضي، عمل متكامل، وكل المشتركين فيه أبطال إلی الحد الذي لا يمكنك أن تفضّل أحدهم علی الآخر، العمل للكاتب(محمد صفاء عامر) وإخراج(مجدي أبو عميرة) وبطولة الفنان المدهش التلقائي الراحل ممدوح عبد العليم، ويوسف شعبان، وسميحة أيوب، ومنی زكي ومجموعة من الأبطال، ذلك المسلسل الآسر منذ مقدمته الموسيقية المميزة للموسيقار ياسر عبد الرحمن؛ إذ بقي علی قيد المشاهدة والمتابعة من الجمهور العربي حتی هذه اللحظة، فإذا مرت صورة (رفيع العزايزي) أمامك؛ لايمكنك تجاهلها، ولابد أن تعود إلی المسلسل، وإذا ظهر مقطع منه أمامك؛ لاتستطيع تركه إلا بعد مشاهدته!

وهنا؛ لن نعيد الكلام الذي قيل في المسلسل منذ عرضه حتی الآن، وإنما سنتحدث عن مشهد عميق ومؤثر ويختزل الكثير من السياقات الواقعية وهو مشهد (وهبي السوالمي) وهو يتحدث إلی أبيه(مرزوق السوالمي) بعد لحظات من موته، إذ قدم خلال هذا المشهد القصير الدلالة المكثفة للفكرة التي قام عليها المسلسل؛ ألا وهي الطبقية في المجتمع، الطبقة الإقطاعية التي تسيطر علی طبقة الفلاحيين من الفقراء والمساكين، وتذلهم وتجوّعهم وتحرمهم من حقوقهم إلی حد الاستعباد!
فيخاطب(وهبي) أباه ذاكرا صبره وصمته وعدم شكواه إلا لله، كاشفا عن سبب سلوكه العدائي تجاه العزايزة، وفي الوقت نفسه يقول لأبيه عبارةً عميقة جدا، ومؤثرة جدا: “خايف منيها فرگتك ديه يامرزوگ ياسوالمي، خايف منيها گوي!! انته كنت فالي الزين وحظي الساندني يابوي”
فـ(وهبي) المفتري، الذي لايخاف ولايخشی، الذي لا يوقفه شيء، ولا حد لحقده علی العزايزة، كان يری في أبيه السند والفأل الحسن والنجاح في كل مايخططه!
فهو يری أن كل ما قام به وخطط له تجاه العزايزة، من حقه المشروع، إذ كان يشاهدهم وهم يعذبون أباه، ويربطونه بجذع النخلة ويجلدونه!
كان(السوالمة) يعملون ولايحصدون شيئا من عملهم، وتوفيت زوجته وبقيت ابنته(نفيسة) يتيمة لعدم امتلاكه المال الذي يمكنه من شراء الدواء لعلاجها، كل ذلك جعل من شخصية(وهبي السوالمي) عدائية، تعمل وفق” الغاية تبرر الوسيلة” فلابد أن ينتقم من رفيع العزايزي، مع أنه ليس مذنبا، وأن الذي آذاهم وظلمهم هو(سلطان العزايزي) والد رفيع، الذي بسببه انحرف “وصفي” الأخ الأصغر لوهبي والتحق بالجماعات المتطرفة.

وهذا السياق الدرامي يعيدنا إلی واقع العراقيين إبان النظام البائد، الذي كان يعتقل العائلة بنسائها وأطفالها وكبار السن، ويقوم بأفعال إجرامية لاتخطر علی بال بشر، ومنها استدعاء الأطفال وتعذيب آبائهم أمامهم؛ كي يجبر الأب علی الإقرار بما يريدونه!
أو يقوم بالاعتداء علی النساء أمام الأب أو الأخ أو الزوج أو الابن؛ كي يضطر المعتقل الی الإقرار بكل ما يُطلب منه!
تُری هل فكرت الدولة بتوثيق هذه الحالات عبر فرق طبية نفسية، لتستكشف مدی المعاناة التي تعرضوا لها جراء هذا الفعل، وهل انعكس ذلك علی شخصياتهم لتصبح عدائية تجاه الظلمة؟
فالواقع يثبت أنها لم تتحول إلی عدائية حاقدة؛ بل علی العكس مازالوا محاربين غالبا، ومازال بقايا النظام يؤذونهم بالقول والفعل!
السؤال المهم الآن: هل من الطبيعي أن يكون الضحية هادئا، متناسيا، صامتا، مُهاجَما بعد كل ما تعرض له؟
أيهما الأصح نفسيا؟
ولماذا تجاهلت مؤسسات الدولة المعنية دراسة نفسية هذه الأجيال التي دمرتها الحروب والسجون والمحاجر و لوعة الفراق، والجوع والحرمان؟ وكيف لم تنعكس علی سلوكهم كما انعكست علی شخصية وهبي السوالمي في الضوء الشارد؟