السبت - 22 يونيو 2024

كربلاء كما لم أعرفها من قبل… كربلاء بعيونه هو…

إنتصار الماهود

أنا في كربلاء، جنة عدن على الأرض، تلك البقعة التي بارك الله فيها وبما حولها، طاهرة مطهرة، ضمت بين طياتها أجساد نقية تقية لآل بيت النبوة عليهم السلام،أنا هنا في إجازة تختلف عن سابقاتها، هي رحلة روحية لإيجاد نفسي وإستكشافها من جديد، فالأجواء الروحانية في كربلاء المقدسة، تنقلك لعالم آخر، صدقني فكربلاء تختلف عن أي مكان آخر تزوره.
لبيت دعوة لأحد الأصدقاء العاملين في العتبة الحسينية المقدسة، العزيز أبا علي والذي تربطني به صداقة منذ سنوات، إبان تشكيل الغرف الإعلامية التطوعية، الداعمة للفتوى المباركة ضد داعش، ولغاية يومنا هذا، وكان يصر على أن يريني كربلاء بعينيه،( كربلاء كما لم أعرفها أنا )، فهو أحد ساكني المحافظة أبا عن جد، ويعرف الكثير عن تأريخها وأسباب تسمية مناطقها.
أولى خطوات تجوالنا تحدث معي، ” خالة إنت هسة تمشين على تاريخ عمره 1400 سنة، كل خطوة هي قصة بحد ذاتها ونفتخر نسولفها “.
بدأت جولتنا من مكتبة الإصدارات الخاصة بالعتبة الحسينية، ورأيت حجم وتنوع الإصدارات والمطبوعات، والإهتمام الخاص بالجانب التوعوي الثقافي، من قبل العتبة الحسينية، إتجهنا لشارع السدر المقابل لباب السلام، أخبرت مضيفي إنني لا أرى شجرة سدر في هذا الشارع، فما سبب تسميتها بهذا الإسم؟.
أجاب: ( في عهد هارون اللارشيد و ماقبله، كان هنالك شجرة سدر، يستدل بها زائري قبر ابا عبدالله لزيارته، فكما نعرف لم يكن الأمويون والعباسيون، ليسمحوا للشيعة ببناء قبور أئمتهم عليهم السلام وزيارتها، وكان في هذا المكان شجرة، يستدلون بها للوصول للقبر الشريف، وحين سمع اللارشيد بذلك، أمر بقطع الشجرة كي تضيع ملامح الطريق المؤدية للقبر الشريف، لكن العرب قديما كانوا أكثر فراسة وذكاءا، من سليل العباسيين فأصبحوا يستدلون على القبر من رائحة التراب المميزة المحيطة بمرقد، سيدي أبا عبدالله عليه السلام، توجها الى الموقع الذي ذبح فيه عبدالله الرضيع عليه السلام، وإسترسل مضيفي في الكلام عن مقتل فلذة كبد الحسين عليه السلام، وكيف طلب منهم الماء للرضيع وبدلا من سقيه، رماه جنود إبن زياد لعنه الله، بالسهام في نحره وهو بين يدي أبيه، حين تسمع هذه القصة المؤلمة، ستنزل دموعك دون أن تشعر، وأنت تتخيل حجم المصيبة تلك، توجهنا بعدها الى الموقع الذي قتل علي الأكبر عليه السلام، وهو أشبه الناس بجده رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعان الله قلب مولاتي زينب، كيف رأت بأم عينيها ما حدث وصبرت ووقفت كالجبل الاشم؟!.
في وقتنا تحول شارع السدرة، لواحد من أهم الشوارع التجارية في كربلاء المقدسة، وتتفرع من أحد جهتيه، مشروع توسيع الصحن الحسيني المطهر، تجولنا في أزقة ودرابين كربلاء القديمة، بين دار السلام والعباسية،متى بنيت ومن هم سكانيها، وكيف تضم كربلاء مواطنين، من جنسيات مختلفة لازالوا يعيشون منذ عقود طويلة، قدموا للدراسة أو التجارة أو حبا بآل البيت ع والتقرب لهم،( باكستانيون، هنود بهرة، إيرانيون، أفغانيون، لبنانيون)، وغيرهم الكثير فكربلاء مدينة تضم الأطياف والملل والنحل دون تفرقة، تحدثنا عن الحائر الحسيني، وما هو سبب تسميته بهذا الإسم فقيل لي: ( أن الخليفة العباسي المتوكل حاول إغراق القبر الشريف لأبي عبدالله الحسين عليه السلام، ولنلتفت لنؤكد انها لا تزال قبور وليست أضرحة كما هي الآن، ففتح جزء من مياه نهر الفرات بإتجاه القبر لإغراقه لكن المياه قد احاطت بالقبر الشريف وحارت حوله فسميت تلك المنطقة حول القبر بالحائر الحسيني،(ياليت ظلم بني مروان دام لنا ويا ليت عدل بني العباس في النار)، كان والدي رحمه الله، دوما يردد هذه العبارة، والآن قد فهمت ما معناها، حين شرح مضيفي عن الفضائع التي أرتكبت بحق آل البيت عليهم السلام، في عهد العباسيين، نقلتنا خطواتنا الى الابواب المحيطة بالحرم المطهر، وهي منطقة تأريخيه يعود بناؤها لاكثر من 200 عام، أي ما قبل الغزوة الوهابية ، ولم يبقى منها سوى الأسماء للأبواب الثمانية، لقد هجم الوهابيون على كربلاء للمرة الثانية عام 1802 م، وإستغلوا توجه معظم الشيعة الموالين، للنجف الأشرف بعيد بيعة الغدير، ليغدروا هم بأهل كربلاء، كما غدر أسلافهم من أصحاب السقيفة بالإمام علي عليه السلام ، وقتل الوهابية ما يقارب 5 الآف مواطن كربلائي، وهدموا القبة الشريفة للإمام الحسين عليه السلام، ونهبوا ما يقارب حمولة 4 الاف بعير، وهذا يبين الحقد الوهابي المتجذر على آل البيت عليهم السلام وأتباعهم.
تحدثنا عن حقبة التسعينات، وكيف كانت كربلاء وماذا فعل المجرم حسين كامل، بالمراقد الشريفة أبان الإنتفاضة الشعبانية المباركة، وكيف حوصروا اللائذين بالإمام عليه السلام من داخل المرقد، وماذا فعل بهم المجرم حسين كامل، وحجم الدمار والخراب الذي خلفه المقبور في تلك الحقبة، وعن حادث السور الذي بني بين عامي 1991/1993،وهو سور حديدي على شكل بسطال عسكري، سور به المجرم صدام المرقدين الطاهرين، فعل شنيع أراد به تحقير و تقليل شأن المرقدين الا أنه تراجع بعد عامين وأزاله خوفا من إنتفاضة جديدة ضده.
تجولنا بعد ذلك في كربلاء الجديدة، وهي إمتداد لكربلاء التي نعرفها، لكن المدينة بعد التطور العمراني والتوسع، أصبح من الضروري أن تتوسع أيضا، لتستوعب العدد السكاني الكبير، الذي إستقر في كربلاء بعد عام 2003، بساتين مثمرة تحولت لأحياء سكنية كاملة، والسبب هو النمو السكاني المتزايد، مثل حي النقيب وحي الحسين، والتي كانت من أشهر البساتين، والتي تعود ملكيتها لعوائل كربلائية معروفة، تعود جذورها لبداية القرن 19، ختمنا جولتنا في شارع الشهيد احمد زويني، وهو الشارع المشهور في كربلاء، وأكثر الوافدين لا يعرفون من هو أحمد زيني، الشهيد أحمد أحد منتسبي العتبة الحسينية، وتطوع هو واخويه الآخرين، في فتوى الجهاد الكفائي، وكان قائدا في لواء علي الاكبر، أستشهد في معركة تحرير بيجي ثم إلتحق به اخيه الصغير حسن شهيدا، بعد فترة من الزمن، وقد قررت العتبة الحسينية أن تسمي الشارع الاخر المقابل له، بإسم الشهيد حسن زويني.
كربلاء عجيبة هذه المدينة، فكلما قدمت لها في زيارة وجدتها بحال آخر، مشاريع عملاقة مدروسة، أعمال مستمرة طول أيام السنة، كل يوم جديد بالنسبة لهم فسألت مضيفي ما السبب، كربلاء عروس الفرات الاوسط، تتجدد ولن تكبر أوتشيخ أبدا، عزا صديقي العزيز هذا التطور الحاصل، الى المتابعة المباشرة من قبل إدارة العتبتين الحسينية والعباسية، لشؤون المحافظة و الإهتمام بالمشاريع، التي تخدم المحافظة أولا ومواطنيها، وأن إختلاف الرؤى بين إدارة العتبتين، أدى الى تطور كربلاء كما شاهدناها، فلكل إدارة وجهة نظر، وجانب خدمي وإستثماري أبدعت فيه وطورته، وهذا أدى إلى إفتتاح مشاريع مهمة، ساعدت على إمتصاص البطالة وتشغيل الأيدي العاملة في المحافظة، كمشاريع المحاقن الطبية والمحاليل الوريدية ومزرعة فدك و مطار كربلاء و مشروع الساقي و منتجات الكفيل ومصانع الانشائية وغيرها الكثير، لقد أصبحت كربلاء مركزا عمرانيا وصناعيا متطورا، وليست فقط مركزا دينيا مهما، و نشطت حركة السياحة الدينية فيها كثيرا في السنوات الاخيرة.
هل زرتم كربلاء وتجولتم في أزقتها كما تجولت أنا؟؟ وهل وفقت في نقل جزء ولو بسيط من تاريخ المدينة لكم؟ أتمنى أنكم رأيتم كربلاء بعيني أنا أيضاً واحببتموها كما أحببتها.