الأحد - 16 يونيو 2024

منهج الإمام الهادي”عليه السلام” وبناء النموذج الإيماني..

منذ 5 أشهر

كوثر العزاوي

إنّ من أهم النقاط التي ركّز عليها القرآن الكريم وأكده النهج القويم لمحمد وآله”عليهم السلام” هو بناء الإنسان الاجتماعي، لأنه هو الذي يحقق عملية الانسجام والإستقرار والوحدة، وبالتالي تتم عملية صناعة المجتمع السليم، فالإنسان هو جزء من المجتمع، ولو كان الإنسان أنانيًا انتهازيًا، أو عنيفًا عدوانيًا، أو مصلحيًا وصوليًا، بلاشك سيكون منشقًا عن المجتمع ومختلِفًا عنه، وبالتالي سيشكّل خطورة مهما تصنّع الصلاح والشرف، لاسيما إذا تعدّد هذا النوع من الأفراد وقد يلاقي تأييدًا وقبولًا من عوام الناس فينشط غروره إذ يصبح من السهل تأسيس منظمات تخريبية تعمل بأسلوب الانشقاق والتفريق! لذا نجد ضرورةَ أخْذِ العبرة والفائدة مما ورد في سيرة الإمام الهادي عليه السلام ونحن نعيش ذكرى شهادته الأليمة، لنرى كيف أنه اعتمد منهجًا تربويًا متكاملاً من أجل بناء المجتمع الصالح وحصانته في مواجهة الانحراف وتقديم النموذج الإيماني للمجتمع الذي كان يمثّله أهل البيت “عليهم السلام” وأتباعهم، فسعى الهادي من آل محمد”عليهم السلام” اعتماد عملية بناء النفس من الداخل والخارج من خلال تهذيبها وربطها بخالقها العظيم “سبحانه وتعالى” وهذا هو “الجانب التهذيبي” الذي يؤسس إلى إيجاد الجانب التنظيمي في بناء الإنسان من أجل تهذيبه ورفد مَلَكاته وقدرته على تجاوز المحن والصعاب والسيطرة على الذات طوال مسيرة الحياة الحافلة بالمصاعب والمشاق والمعوقات، وبذلك رأينا كيف أثمر هذا المنهج التربوي حينما قدّم الإمام “عليه السلام” إنموذجًا ناصعًا كالصحابيّ الجليل “شاه عبد العظيم الحسني، وعثمان بن سعيد، وإبراهيم بن مهزيار” -ولابأس في الدعوة الى قراءة سيرتهم المشرقة- فكان منهج الإمام الهادي التربوي السليم باكورة لإعداد جيل من الثقاة رواد الفكر الأصيل من الدعاة إلى الله وتبليغ رسالة السماء ونشر علوم آل محمد “عليهم السلام” في مختلف أطراف البلاد، فضلًا عن وسائل التصدي للانحرافات الفكرية والعقائدية وتعليم سبل مواجهة ظواهر الكفر والإلحاد آنذاك مما ساهم في امتداد وديمومة خط الإمامة والنهج المحمديّ الأصيل في كل عصر والى يومنا هذا، ومما ورد في أسلوب تربيته “عليه السلام” عبر توجيهاته لأحد مواليه قوله: كاتِبْ فلانًا وقلْ له: {إن اللهَ إذا أراد بعبدٍ خيرًا، إذا عُوتِبَ قَبِلَ العتاب}! فالإمام هنا يحدّد مسألة مهمة تعترض الإنسان وهي مسألة حبّ الظهور وميلهِ للأضواء ولابدّ لمَن هو في ساحة العمل أن يتقبّل النقد والتوجيه ولو على نحو العتاب، وأن يرضى بقبول التعرّف على عيوبهِ من خلال غيرهِ من أجل إصلاحها وإبعادها عن العُجب، لئلّا تزلُّ قدَمٌ بعد ثبوتها! كما أكّد أيضًا “عليه السلام” في قوله:{مَن أطاع الخالق لم يُبالِ سخطَ المخلوقين، ومن أسخَطَ الخالق، فَلْيَيْقَن أن يحلَّ به سخطَ المخلوقين} الى غير ذلك من أنماط التربية الغنية بالوسائل العملية الهادفة الصالحة لكل عصر وزمان، وماأحوج الإلتفات لغزير مايفيض علينا هذا المنهج من ينابيع الهدى في مثل زماننا! فلا ينبغي الغفلة عن نهج آل محمد “عليهم السلام” للوصول الى تنميةِ الإنسانية وتعزيز قوة شخصية الفرد في مقاومة المغريات وما يواجه من تحوّلات وتقلّبات وطوارئ على جميع أصعدة الحياة سيما العاملين في خدمة الأمة! ومما قاله “عليه السلام” أيضا على سبيل التهذيب والبناء قوله:{مَن أمِنَ مكر الله وأليمَ عذابه، أخذهُ تكبّر حتى يحلّ به قضاؤه ونافذَ أمره، ومَن كان على بيّنةٍ من ربّهِ هانت عليه مصائب الدنيا ولو قُرِّضَ ونُشِر} وهذا أيضا يدلنا على طريق التقوى والتوحيد العملي كما يلفت الأنظار الى أن طريق آل محمد صعب مستصعب فطوبى للثابتين وليس للمدّعين! لذا فلو اردنا التامل والاستغراق في ماورد عنه “عليه السلام” لوجدنا وسائل جمّة بمثابة مؤسسة متكاملة تساهم في عملية البناء الروحي والعملي للفرد والمجتمع إضافة الى أخذ العبرة من الرسائل المكتوبة التي تهدف الى ربط الناس والمجتمع بالمعصومين عِبر ظاهرة الزيارة وتداولها، فقد صدر عنه”عليه السلام” “الزيارة الجامعة، وزيارة أمير المؤمنين يوم الغدير، وزيارات متعددة للأئمة “عليهم السلام” وما تحمل من غرر الحكم والمضامين التي ترقى بالإنسان إلى الكمالات الروحية وربط العقل بالمطلق لتحصيل التوازن والاعتدال الفكري والروحي، والجدير بالذكر، عندما نسلط الضوء على نمط منهجية احد المعصومين في التربية هو ذات المضمون والهدف الذي يرد عن الآخر منهم “عليهم السلام” فالمنهج والهدف واحد بتنوع الأدوار واختلاف الظروف، فحريّ بنا نحن اتباع آل محمد أن نستذكر سيرتهم في كل مناسبة كي نخرج بدرس عمليّ يثبت لنا حركة الحياة وفق ضوابط السماء مستلهمين معاني الانسانية الحقّة من نهج المعصوم، كما أفاد إمام المتقين”عليه السلام” بوصية وهي القول الفصل: {انظروا أهل بيت نبيّكم، فالزموا سَمتَهُم واتّبِعوا أثرهم، فلن يُخرجوكم من هدىً ، ولن يُعيدوكم في ردىً ، فإن لَبَدوا فالبِدوا، وإن نهضوا فانهضوا، ولا تسبِقوهم فتضِلّوا، ولا تتأخروا عنهم فتَهلَكوا}
فلنتأمل!!

٣-رجب الأصب١٤٤٥هج
١٥-١- ٢٠٢٤م