السبت - 22 يونيو 2024

ذكرى المعصوم إحياء النفوس..!

منذ 5 أشهر
السبت - 22 يونيو 2024

-كوثر العزاوي-

عندما يريد الموالي الشروع في إحياء ذكرى مولد إنسان عظيم، لابدَّ من التوقّف عند ذات الشخصية،
وليكن الهدف الأساس من الذكرى هو إحياء واستنطاق فكر ذلك الانسان وروحه، وتلمّس أبعاد شخصيته وتأمّل انفتاحها على الله وتحسّسها المسؤوليَّة اتجاه كلّ النّاس، وكذا إحياء ذكرى مواليد المعصومين”عليهم السلام” فهو إحياء للنفوس، إحياء للمعاني السامية وإرساء للمضامين العالية، فما بالك والمقصود “عليّ” ونحن نحيِ ذكرى مولده النورانيّ الاستثنائي! ذلك الإنسان الكامل بكل معاني الكمال، وأنّ إحياء ذكراه إنما هو إستلهام للمفاهيم الملكوتية، من الحب، الروحانية ،العدل، الإنسانية، وعلى هامش إحياء الذكرى لابد من ورود مناهل الولاية والولاء والانفتاح على آفاقهما الرحبة، لتُبثَّ فينا روح التوحيد، وتستنهض مشاعر الانتماء لخط السماء، والدفاع عن رسالة السماء، وبهذه المضامين نستطيع أن نَفي حقّ الذكرى بما يليق بصاحبها، أمّا لو أردنا الحديث عن معطيات ولادة سيد الموحدين وإمام المتقين للَزِمنا مجلدات، وقلمي حقًّا يتضاءل امام عظمة هذا الحدث لمولد النور العلويّ، لرجلٍ إلهيّ عاش بكلِّه لله ولم يعش لنفسه لحظةً واحدةً، فقد كانت حياته كلّها لله مفعمة بالنور والحب والعطاء والبطولة والمروءة
فضلًا عن كونها جهادًا وحركةً ودفاعًا وتوغّلًا في الواقع كلّه، لذا فهو الخالد فكرًا ونهجًا ومنهجًا، طالما ثمة بشرية وحياة، ولمثل هذه الذكرى تشكّل دافعًا لكلَّ موالٍ مثقَّف وكلّ عالِم وأديب إلى استنفار طاقاته العلميَّة والفكرية لإيصال حقيقة النهج العلويّ الأصيل إلى النّاس، لا سيّما إذا انتشر الضَّلال والبدع بين النّاس، فقد ورد عنه”عليه السلام”قوله: {ما أخذ الله على الجهَّال أن يتعلَّموا، حتى أخذ على العلماء أن يعلِّموا} وهو ماجاء في الحديث عن رسول الله “صلى الله عليه وآله”: {إذا ظهرت البدع في أمّتي، فليظهر العالِم عِلمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله} وقد نرى جانبًا آخر يحكي حرصه “عليه السلام” على المسلمين، حيث كان صلوات الله عليه يستحثّ الناس ليسألوه، مفرّغًا نفسه للإصغاء، وكلنا يعرف مقولته التي طالما كان يردِّدها “عليه السلام” بين وقتٍ وآخر:{سلوني قبل أن تفقدوني}، وكان يحدِّثهم: {علَّمني  رسول الله ألف بابٍ من العلم، فتح لي كلّ بابٍ ألف باب} ليُفهِم الناس أجمعين بأنّه يملكُ علوم الدين والدنيا كلها، وليس ثمة أحرص منه على رفعة المسلمين إلى مستوى العلم والشرف ولم يريد للجهل مكانًا مع الإسلام إطلاقا! لأنَّ مشكلة أغلب المسلمين، هي أنهم يجهلون إسلامهم، وهذا ما يفتح الباب أمام المنحرفين وشذاذ الآفاق والمعادين للإسلام لينفثوا سموم أفكارهم المنحرفة باسم الثّقافة الإسلاميّة، وهو ماعانت منه أمة الإسلام منذ غَفت عَيْنا رسول الله “صلى الله عليه وآله”والى يومنا هذا، وقد لاقى سيد الموحدين مالاقى من جهل الأمة وجهّالها، فهو العالِم بما يشكّل الجاهلون من خطر على الاسلام، فإنهم يلتزمون الباطل على أساس أنّه حقّ ويرفضون الحقّ على أساس أنّه باطل! لذا كان كلّ همّه”عليه السلام” أن يبصّر النّاس الحق ويبيّن لهم الحقائق، وكان يعيش الحسرة وهو يشير إلى صدره الشريف هامسًا{ إنَّ ههنا لعلمًا جمًّا لو وجدتُ له حملة}! أمّا نحن وفي زمن نقرّ فيه تشيّعنا لعليّ”عليه السلام” لابد أن نعي الحرب القائمة علينا بكل وسائل الحرب، إنّما هي حرب على التشيّع، والهدف هو عليّ وشيعته! إذن نحن الهدف والمستَهدَف! وعليه، فليكن إحياؤنا لذكراه وعيًا بمستوى حجم الحرب وأمدها منذ يوم السقيفة، فالتشيّع تشيّعٌ للرسالة، وتشيّع للخطّ ومنهج الولاية، وقد جاء عن احد العلماء الماضين رضوان الله عليهم قوله: لعل أفضل كلمةٍ تحدِّد معنى التشيّع ومعنى الشّيعة، ما قاله الإمام الباقر “عليه السلام لجابر” كما ورد في كتاب “الكافي:{فوالله ما شيعتنا إلا من اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون ياجابر إلاّ بالتّواضع والتخشّع والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصَّوم والصَّلاة، والبرّ بالوالدين، والتّعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن النّاس إلاّ من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء وحسْب الرّجل أن يقول{أحبُّ عليًّا وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعَّالاً! فلو قال: إنّي أحبّ رسول الله، فرسول الله خير من عليّ، ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنّته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئًا، وما مَعَنا براءة من النّار، من كان لله مطيعًا، فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصيًا فهو لنا عدوّ، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع} انتهى.. هذا هو التّشيّع، تشيّع للإسلام، وتشيّع لأئمّة أهل البيت “عليهم السلام” واتّباعِ منهجهم في الحياة، باعتبار أنَّهم دعاة الإسلام وقادته، عاشوا به وماتوا في سبيله، فإذا كنّا نعيش بالإسلام ونموت في سبيله، فنحن معهم في الدّنيا ومعهم في الآخرة، وذلك هو الخطّ المستقيم، ولو هتف باسم عليّ ألف مرّة في كل محطة وهو لايتّبع سيرته مانفعه ذلك ولارفعه، لأنّ عليًّا “عليه السلام” لم يأت حتى يَهتف النّاس باسمه بينما يهتفون ضدّ الإسلام في أعمالهم، لم يعش عليّ لذاته على حساب الحقّ، فمن يوالي عليًّا فلْيَفهَم بأنّه “عليه السلام” ليس خفقةُ قلب، وليس نبضةُ إحساس، وليس هتاف أو شعار، بل أن يكون أحدنا كما “هو” ولو بنسبة الواحد إلى الألف:
فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلهم
إنَّ التشبَّه بالكرام فلاحُ