الأربعاء - 12 يونيو 2024

ميلاد سر الأنبياء

منذ 5 أشهر
الأربعاء - 12 يونيو 2024

 

2024/1/26
زمزم العمران ||

قال تعالى في محكم كتابه الكريم : ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾

أول الأيام البيض من شهر رجب المُعظم، شهد ولادة إنسان غير عادي أقرب مايكون إلى الأسطورة من الحقيقة، لكنه يمثل الحقيقة بعينها فمنذ الوهلة الأولى، قبل ولادته أنشق جدار الكعبة لتدخل فاطمة بنت أسد (رضي الله عنها)، إلى داخل الكعبة لكي تلدهُ دون مساعدة إحدى النساء، وكأنها في حالتها هذه تشابه السيدة مريم العذراء (عليها السلام)، التي جاء فيها قوله تعالى :(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا).

 

المعروف أن المرأة عند النفاس تحتاج إلى من يساعدها، الا انها في حالتها هذه شابهت مريم العذراء (عليها السلام) في معجزتها فقد ولدتهُ وخرجت من الكعبة بعد أن مكثت ثلاثة أيام، ومما يجدر الأشارة إليه أن نأخذ ماقاله المخالفين لهذا الإنسان بحقه، فعندما سُأل الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو من علماء اللغة العربية عن الإمام علي (عليه السلام) فقال : (ماذا أقول في رجل أخفى أعداؤه فضائله حسداً ، و أخفاها محبوه خوفاً ، و ظهر من بين ذين و ذين ما ملأ الخافقين).

كذلك ماقاله شيخ المتصوفة ابن عربي، في كتابه الفتوحات المكية الجزء الثاني حيث يقول في وصفه لأمير المؤمنين بأنه أمام العالم وسر الأنبياء أجمعين، وماكُتب عنه في موسوعة من خمس مجلدات للكاتب المسيحي جورج جرداق، حملت عنوان “الإمام علي صوت العدالة الإنسانية”، حيث يبين فيها ان هذا الرجل هو أفضل نموذج تجلت فيه القيم الإنسانية كالحكمة والعدالة الإنصاف والشجاعة والعلم على مر التأريخ.

اما المستشرق الفرنسي روجيه غارودي، الذي يعمل استاذاً في جامعة السوربون الفرنسية، حينما أستوقفته إحدى طالباته وسألته السؤال التالي..قالت: أنت مدرسي وأنا أحرص على قراءة كتاباتك ومقالاتك وحضور محاضراتك، وقد لفت نظري، أنك تتكلم دائماً عن شخص مسلم اسمه “علي”، من هو علي؟ ولماذا أثر فيك كل هذا التأثر؟ قلت لها: علي هو ابن عم نبي الإسلام محمد، وزوج ابنته، وقائده العسكري، وكان الرجل الثاني في الاسلام بعد محمد، وهو خليفته، وهو شخصية فذة لا مثيل لها.. سأسألك سؤال لنتبين حالة أو جزء بسيط من هذه الشخصية؟

قالت:

تفضل

قلت:

لو أنكِ عبرتِ الشارع، وجاءت سيارة مسرعة وضربتك، ماذا سيحصل لك؟

قالت:

سأموت حالاً او يغمى عليّ!

قلت:

حسناً.. وماذا سيحصل لك، لو وقعتِ من الطابق الرابع؟!

قالت:

سأموت حالاً او يغمى عليّ!

قلت:

علي بن أبي طالب تعرض لضربة سيف، وهو ساجد يصلي، وقد وصلت الإصابة الى داخل تجويف الجمجمة، أي إنها وصلت الى الدماغ وشملته.. ماذا تتوقعين له؟؟

قالت:

سيموت حالاً أو سيفقد الوعي في أحسن تقدير!!

قلت:

تصوري أن هذا الرجل لم يمت في حينها ولم يفقد الوعي، لقد وصلت الضربة الى أعماق المخ،

هناك حيث تقبع الحكمة والمعرفة، دون أن يفقد وعيه أو يحصل له ما يحصل للبشر في مثل هذه الحالات، وبعد يوم واحد فقط، راح يملي وهو على فراش الموت والضربة القاتلة نافذة في أعماق المخ وصية الى ابنه البكر الحسن، وصية هي أروع ماعرفه التراث الإنساني عبر تاريخه على الإطلاق، وصية تتضمن الحكمة والموعظة والتواد، وقد بقي بكامل وعيه، وكتب أجمل وصية يكتبها أب لولده في تاريخ الإنسانية.

قالت وهي متأثرة:

وماذا قال فيها؟

قلت:

سأروي لك بعض منها.. قال لإبنه الحسن:

إرفق يا ولدي بأسيرك “القاتل”، وارحمه وأحسن إليه واشفق عليه، بحقي عليك اطعمه يا بني مما تأكله! واسقه مما تشرب! ولا تقيد له قدماً ولا تغل له يداً! فإن أنا مت فاقتص منه، بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة، ولا تحرقه بالنار ولا تمثل بالرجل، فإني سمعت جدك رسول الله يقول:

إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن أنا عشت، فأنا أولى به بالعفو عنه، وأنا أعلم بما أفعل به.

وقال لولديه الحسن والحسين:

أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحق، واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً.