الأربعاء - 12 يونيو 2024

أين تم تصوير فلم “باخمری”؟ رحلة خارج المألوف جصان: أجنحة النخيل المرفرفة

منذ 5 أشهر
الأربعاء - 12 يونيو 2024

د.أمل الأسدي

قد تطرق بابك الهدايا وأنت جالس تتصفح وجه السماء، هكذا أتتني دعوة لزيارة جصان من أجل تصوير فلم ” باخمری”.الذي شاركت فيه ابنتي” فاطمة الزهراء حسين المجاب” بدور فاطمة ابنة القاسم (ع)، إذ وقع عليها الاختيار لفصاحتها وقدرتها علی الأداء أمام الكاميرا، فاختارها المخرج ” أزهر خميس” لأداء هذا الدور، وكان الفلم من إنتاج العتبة العباسية المقدسة، وقد اشترك فيه مجموعة من الممثلين.
وفي هذا المقال اخترت أن أصحب القارئ في رحلة سياحية الی جصان عبر الكلمات والحروف، علها تفي وتعكس واقع ما شاهدته.

جصان تلك المدينة التابعة لمحافظة واسط، وجصان أو جسان مدينة عريقة، جذورها راسخة في عمق التأريخ إذ شيدها نبوخذ نصر الأول، وبنی التلة فيها لتكون حصنا ضد العيلاميين، ولعل معنی “جسّان” من جسّ يجسّ جسّا فهو جاسّ ومجسوس، وجسّ الخبر: فحصه وتبينه وبحث عنه، وجسّ نبض الحال: اختبرها عن قرب، وربما هذا مرتبط بإمكانية جس أخبار العدو والإحاطة بها من أعلی التلة المحاطة بالأسوار!
وقد تعني “جصان” أيضا: السمك الكبير الذي اشتهرت به المنطقة قديما، وقد تعرض هذا النوع الی الانقراض، وفي كل الأحوال فإنها مدينة حضارية حدودية قديمة، تضم عددا من التلال الآثارية غير المنقبة، وغير المحمية، واعتاد السكان علی ظهور بعض القطع الآثارية بعد زخات المطر الغزيرة،كقطع الفخار المزخرف الملون.
وجصان: مدينة تحمل روح النخيل في عطائه وكرمه وشموخه وجماله، فيحيط بك النخيل في كل مكان، حتی في أعلی التلة التي هجرها أهلها ونزلوا الی ” الدور” في الأسفل، فهي منطقة زراعية منذ القدم، كما اشتهرت قديما بصناعات وحرف يدوية مختلفة كصانعة السروج، وصناعة الأحذية” الگيوات” والتجارة في سوقهم الصغير القديم الذي لايتجاوز عرضه خمسة أمتار، ثم اختفت هذه الحرف وبقي النخيل شامخا، وبقيت الزراعة حاضرة!!
ـ وجصان التي كان الظلام الدامس يغطي تلّتها، تم إشعال الفوانيس فيها في الأربعينيات، حينها وُضع في رأس كل فرع مصباح منير، تحيط به” الجامخانة” ويقوم رجل الضوء( المرحوم الحاج عبد الرضا) بإشعالها يوميا، إذ كان يحمل السلم الخشبي علی كتفه ويتجول لإشعال الفوانيس في كل مكان.
ـ تحتضن جصان مراقد لأهل البيت عليهم السلام، وقد اعتاد الناس علی زيارتها والتبرك بها، والاحتفاء بكراماتها ومن تلك المراقد:

١-.علي يثرب : وهو علي بن مسلم بن وهب بن باقي بن علي بن ميمون القصير السخي أبو محمد حسن الششتي بن أبي جعفر محمد الحائري بن السيد إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن الإمام موسی بن جعفر(ع)، ويقصده الناس للقسم كلما اختلفوا في أمر معين، وهو بذلك كمرقد أبي الفضل العباس ومرقد السيد محمد (عليهما السلام) في هذه النقطة.
٢- أبو الحسن بن موسی الكاظم: هو الشاه أبو الحسن بن الإمام موسى بن جعفر(ع).
وهناك مراقد أخری يقصدها الناس للزيارة والدعاء والتبرك.

ـ أما جصان الآن،فما زالت تحتفظ بروح النخيل كما أسلفنا، ومازالت تستقبل الزائرين والوافدين بوجه باسم مستبشر، ومازالت في أعلی التلة القديمة ” حسينية أهالي جصان/ التلة” ومازالت المضايف الحسينية منتشرة في التلة وفي الأحياء أسفل التلة، وقد رأيت أن أسلط الضوء علی ما لمحته من خصائص اجتماعية تميز هذه المدينة وهي:

⭕ معجم أهالي جصان

ـ ماعدنا فقير: ابتكرت فطرة سكان جصان مثلا عميقا، يرددونه بفرح وفخر، يعكس هذا المثل أو هذا التعبير حال التكافل الاجتماعي السائدة بين الأسر الجصانية، فكل البيوت متكافلة متكاتفة فيما بينها، وكلها مفتوحة أمام الضيف، ولاعجب فهم ” ماعدهم فقير”

ـ علي وأولاده: لفت انتباهي قسم يردده السكان، وهو ” “علي واُولاده” وإن دل هذا القسم علی شيء؛ فإنه يدل علی العلاقة المتينة بينهم وبين أهل البيت (ع) حتی أن ألسنتهم أبت إلا أن تذكر علي وأولاده معه!!

ـ الأمُّ ربٌّ ثان: في جلسة امتزجت فيها رائحة الچاي المهيل مع طيبة الأمهات، تحدث الحاجة”أم حامد” التي نزلنا ضيوفا في بيتها، بيت( ابو حامد، جبوري دعدوش) تحدثت فيه عن الأم ومقامها فقالت: الأم رب ثان!! بهذه العبارة الفطرية العميقة وصفت هذه المرأة مقام الأم وبينت مكانتها، فقد جعل الله تعالی مكانة الوالدين مقرونة بعبادته أو بعد عبادته:((وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)).
ـ ماعدنا مركز: الجميل في هذه المدينة أنهم لايقصدون مركز الشرطة، فمعظم مشاكلهم يحلونها بينهم، فلا تصل الی مركز الشرطة في الغالب!! لهذا يعبرون عن ذلك بـ ما عدنا مركز!! وهذا متأت من سيادة المحبة والألفة وقوة الوشائج بين الجميع!

⭕ سياقات اجتماعية سائدة:
ـ مجالس السمر: بعيدا عن غزو التكنولوجيا وسيطرتها علی الحياة، مازالت مجالس السمر والاستماع الی القصص والحكم والمواعظ قائمة، إذ يجتمع الرجال في كل محلة في مقهی من المقاهي البسيطة، ويتبادلون الأحاديث ويناقشون الوضع العام، مع ملاحظة عدم وجود ظاهرة” الارگيلة” المنتشرة في المناطق الاخری، بينما تجد الجمرية(منقلة الجمر) ودلال القهوة وأباريق الشاي حاضرة، يقدمون معها أكلة لذيذة خاصة بجصان، تكون بمثابة المكسرات، تتكون من: الحنطة المنقوعة المحمصة المملحة مع السمسم، أو يقدمون حلوی” المدگوگة” ولاسيما وأنهم يحبون التمر كثيرا،فمدينتهم مدينة النخيل.

ـ الترابط الأسري والتواصل الاجتماعي: في المنزل الواحد قد تجد الإخوة وأولادهم يعيشون معا، ويجلسون معا، ويأكلون ويضحكون، ويلعب الأطفال معا، وحتی الضيف القادم يشركونه معهم، فيشعر أنهم أهله وأنه يعرفهم من زمن بعيــــد!!
– الكرم الهاشمي: كلما مررت من بابِ دارٍ، يخرج أهله ويدعونك إلی الدخول والضيافة، من دون أن يعرفوا هويتك!! لهذا وصفته بالكرم الهاشمي الذي لا يسأل عن هوية الضيف وجنسيته، فهو كرم ينتمي الی ((إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا )) فكرمهم كرم محبة خالصة، وعقيدة متجذرة.

كلمة أخيرة:
مع أن جصان مدينة عريقة وفيها كل مقومات الجذب السياحي، ولكنها تعاني الإهمال والتهميش، فالطريق إليها مرعب ومظلم!! وتعاني الأحياء من قلة الخدمات وغياب المشاريع الخدمية والترفيهية، فضلا عن إهمال التلال الآثارية المنتشرة وهي قرابة 18 تلا !!
جصان الجميلة، أم النخيل، والأجواء النقية المفتوحة، بإمكانها أن تكون مهبط عيون السواح، وكذلك يمكن للدولة أو المستثمرين أن يحولوا التلة الی أضخم مدينة انتاج فني!! فمتی يتم الالتفات إليها ومتی نشعر بقيمة التأريخ العريق و الحضارة التي ورثناها؟!
وعلی هذا أدعو المسؤولين ورجال الدولة إلی زيارة جصان، والاهتمام بها، فهناك بلدان تخترع الحكايات من الخيال كي تصنع لنفسها ولشعبها هويةً وتأريخا، بينما تهملون مدينةً حضارية عريقةً، تتركون تلتها معرضة للانجراف والتهديم، تتركون مراقدها وتلالها وبيوتها القديمة بلا اهتمام!! تتركون سكانها الذين عانوا من التهميش والظلم في عهد النظام البائد، تتركونهم ليتجدد الظلم ويستمر التهميش!!

وختاما أنصح كل من يبحث عن رحلةٍ خارج المألوف، حيث الفطرة والحياة البسيطة التي تنسج المحبةُ وجهها؛ أنصحه برحلة إلی جصان!!
حيث بساتين النخيل والسعف الذي يخفض جناحه لك مُرحِّبا… حيث الحياة الريفية وجوها النقي، والدواب التي يدهشك انتظام حركتها وانضباطها… حيث المياة المعطرة برائحة التربة العراقية، حيث القلوب التي تقسم بـ” علي واُولاده”.