الأحد - 23 يونيو 2024

الهويّة الوطنية بين فصائل المقاومة و قوى الاحتلال

منذ 5 أشهر
الأحد - 23 يونيو 2024

د.جواد الهنداوي

الهوية الوطنية هي ليست ،كما وصفها الكاتب عبد المنعم سعيد ، مكّون من مكونات الدولة ( مقال للكاتب في جريدة الشرق الأوسط ، ٢٠٢٤/١/٣١، ص ١٣، آراء ،عنوان المقال مسألة الهوية الوطنية ، وردَ الوصف في منتصف العمود الثالث من المقال ) .

مكونات الدولة ،كما هو متعارف عليه ، قانونياً ،هي الشعب والأرض والسلطة والسيادة ،جميعها تؤلّف الدولة . الهوية الوطنية هي حصيلة كل هذه المكّونات الأربعة ،هي نتاج لتفاعل هذه المكوًنات الأربعة ( الشعب والأرض والسلطة و السيادة ) ، هي أيضاً بمثابة المناعة لجسم الدولة ،الساتر الاول لحماية الدولة و مكوناتها . الانتماء للدولة هي رابطة رسميّة و سياسيّة ، و الانتماء للوطن هي رابطة روحيّة  و ثقافية و اجتماعية ،وهي اعمق و اشّد صُلباً من رابطة الانتماء للدولة . من السهل على المُستعمِرْ ،على المُحتلْ ان يسيطرْ على الدولة ،أنْ يُلغي او يشّوه  بعض مكّوناتها ( السيادة او الارض او السلطة ) ،ولكن ليس من الهّين عليه الغاء الهوية الوطنية للشعب الذي ألّفَ والمكونات الثلاثة الأخرى الدولة . وخير مثال حي ، ونعيشه الآن هو الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني ؛ أُحتُلَتْ فلسطين وشُّرِدَ شعبها و يتعرّض لابادة جماعية ،لكن مناعته الوطنية عصّية على الاندحار والاستسلام ، ويقاتل ويستشهد باسم وتحت راية الهويّة الوطنية ، وليست الدولة الفلسطينية ،والتي لا وجود لها .

دأبتْ قوى الاحتلال والاستعمار قديماً و حديثاً على  استهداف الهوية الوطنية للشعب ،بعد احتلال ارضه و تدمير او مصادرة مكونات دولته، ومن الطبيعي ان تبدأ قوى الاحتلال ، وطوابيرها ، بأستهداف الهوية الوطنية لاولئك الذين يتصدّون لها ، بالكلمة و بالسلاح ، فتتفنّن قوى الاحتلال في إطلاق التوصيفات ذات الطابع القومي والمذهبي على الفصائل التي تقاوم الاحتلال ، وتوظّف قوى الاحتلال الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع ،من اجل تجريد فصائل المقاومة من هوياتها الوطنية . فتصبح حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين ( حماس ) ، والتي تسعى لتحرير فلسطين وتقاوم الاحتلال ، ذراعا من اذرع إيران ،او احد وكلاء إيران ، ويصبح مقاتلو حزب الله ،والذين يدافعون عن سيادة لبنان ومقارعة مُحتلْ لارض فلسطين وقاتل ومُستبدْ ، ذراعا من اذرع إيران او وكلاء  لايران ،وكذلك يصبحُ الحشد الشعبي وفصائل المقاومة في العراق والذين قاوموا و دحروا قوى الإرهاب و الشّر وناصروا ويناصرون الشعب الفلسطيني ، وكلاء لايران .

وبعض الكتًاب العرب يذهبون في وصفهم للحشد الشعبي في العراق ابعد مما ذهبَ اليه الأمريكان .( انظر في ذلك مقال للكاتبة السيدة سوسن الشاعر ،صحيفة الشرق الأوسط ،بتاريخ ٢٠٢٤/١/٣٠ ،ص ١٢ ،عنوان المقال ، بين ارهاب و ارهاب ) .فحوى مقال الكاتبة هو عتاب على الأمريكيين و الغرب ،والذين حاربوا ( حسب رأيها ) القاعدة و داعش و باكو حرام ، بأعتبارهِم  ” ارهابا سنيا” ، وسكتوا عن محاربة الإرهاب حين يكون شيعياً ” .

وتستفهم الكاتبة وتقول ” ويمكنك ان ترصد الفارق بين محاربة الإرهاب حين يكون سُنياً على محاربته حين يكون شيعياً ” . ( انتهى الاقتباس من نهاية العمود الاول من المقال المذكور ) . وحسبَ رأي الكاتبة ،مقاومة إسرائيل و الوجود الأمريكي هو ” ارهاب شيعي ” !

لم يكْ ارهاب داعش و القاعدة وباكو حرام اسلامياً سُنياً ،وانما كان ، ولا يزال ارهاباً صهيونياً ، وتمارسه إسرائيل و داعميها اليوم ،وبصورة ابشع في غزّة .

اليوم ، وفي أوّجْ حملة ابادة جماعية ترتكبها آلة القتل والإرهاب الصهيونية الأمريكية ،في غزّة و الضفة والمنطقة ، و بدلاً من ان تستنكر اقلام الكتاب العرب ما تقوم به اسرائيل في غزّة و الضفة و المنطقة ، تقوم للأسف بنبش الماضي وتشويه الحقائق ،فيصبح ارهاب القاعدة وداعش ،والذي لا دين ولا مذهب له ” سُنياً ” ، وتصبح مقاومة قوى الاحتلال في المنطقة ( إسرائيل ، امريكا ) ارهاباً شيعياً . ” اما اليوم فوكلاء ايران في المنطقة هم من يشنون الحروب على الوجود الأمريكي في المنطقة كميليشيات الحشد الشعبي وهم من يهددون الممرات المائية وحزب الله ” ( اقتباس من بداية العمود الثالث من المقال المذكور للسيدة سوسن الشاعر “. مقال السيدة سوسن الشاعر ، وغير المناسب في توقيته ، وغير صحيح في ما وردَ فيه من معلومات ،وتضليل للرأي العام العربي ،هو ليس استثناء ، للأسف، كُثرٌ هي مقالات وفي الشرق الأوسط ، على غراره ،وكأنَّ من يحتل فلسطين والجولان وغيرهما ويقتل في غزّة ، ويمنع الماء والغذاء والدواء عن شعب غزّة ،ويقطع التمويل عن الأونروا لتجويع الفلسطينيين هي فصائل المقاومة والحشد الشعبي وحزب الله و ايران ،وليس إسرائيل وامريكا واغلب الدول الغربية ! ليس دفاعاً عن الفصائل والحشد والحزب وايران ،ولكن لقول الحق ، وانصاف المظلوم و المضطهد ، والدفاع عن الحقيقة التي هي بيّنة و واضحة .

استخدام وصف اذرع ايران او وكلاء إيران لفصائل المقاومة في المنطقة ،و على اختلافها ، هي محاولات يائسة و بائسة ، لتجريد هذه الحركات التحررّية ،والتي تقاوم الاحتلال والتوسع والإجرام الإسرائيلي ، من هويتها الوطنية . فصائل المقاومة في فلسطين وغزّة تدافع عن حقّها في الوجود و ارضها وشعبها ،ولا تدافع عن إيران ! و الحشد الشعبي في العراق قاتل وحارب الإرهاب ويحمي مع باقي القوات المسلحة العراق و ارضه وشعبه ،ولا يدافع عن ايران ،كذلك حزب الله في لبنان .ايران ليست في حرب لا مع امريكا و لا مع اسرائيل ،انما بينهما خصومة وعداء . العرب شعوباً و دولاً ،هم مَنْ في دائرة الخطر و الاستهداف من إسرائيل ،وحتى الدول المطبّعة والمتفقة بمعاهدات واتفاقيات مع إسرائيل ، وشعوبها هم في حالة انعدام الثقة وحذر و تربّص مع إسرائيل .

إيران ،اليوم ،حلّتْ محل الاتحاد السوفييتي السابق ،لتكون مُعيناً و مساعداً حقيقياً في المال و السلاح لحركات التحرّر في المنطقة ،والتي تقاتل إسرائيل و الصهيونية ، وكذلك للدول التي واجهت خطر الإرهاب كالعراق ، والتي تواجه الاحتلال و الانفصال كسوريا .

الانتماء الوطني هو اكبر وأسمى من الانتماء للدولة ،وهو لا يتعارض مع الانتماء للدولة ،وانما تعزيز الانتماء للدولة . فحوى هويتنا الوطنية هي إنسانيتنا و دياناتنا وعروبتنا وقومياتنا وتأريخنا وثقافتنا ، واظّنُ اهم واكبر من ما ذُكِرْ ، هي كرامتنا وسيادتنا.

وهل من الممكن ألا تكون قضيّة فلسطين جزءاً من الهوية الوطنية لأبناء منطقتنا ،وقد اصبحت جزءاً من الهوية الوطنية لكل انسانٍ حُرْ ،غير متصهين ؟

اهل غزّة و مقاومة غزّة يقاتلون اسرائيل،باسم هويتهم الوطنية ،وليس وكالة عن ايران ، وكذلك حال باقي فصائل وحركات المقاومة في المنطقة ؛يقاتلون باسم ودفاعاً عن هويتهم الوطنية .