السبت - 22 يونيو 2024

الأكاديميّةُ والتّفاهةُ…

منذ 5 أشهر
السبت - 22 يونيو 2024

عليّ الدلفيّ
يقولُ المفكّرُ الكنديّ آلان دونو “إنَّ التفاهةَ قَدْ بسطتْ سلطانها على كافّةِ أرجاءِ العالمِ”.
إنَّ آلان دونو في كتابهِ (نظام التفاهةِ) يدقُّ ناقوسَ الخطرِ للعواقبِ الوخيمةِ المترتّبةِ عن هذهِ السّيطرةِ المحكمةِ للتافهين في المُجتمعِ. وهو يشرحُ (كيفَ مدّتِ التفاهةُ أذرعَ سيطرتها في كلّ ميدانٍ ومفصلٍ مِنْ حياتنا المعاصرةِ)؛ ومنها: (الميدانُ الأكاديميُّ)؛ إذْ يخلصُ دونو إلى أنَّ قطبَ الرّحى في سيطرةِ التافهينَ على كلِّ مفاصلِ الحياةِ يبدأُ وينتهي بالميدانِ الأكاديميّ الذي يمثّله (الجامعات والكليات والمعاهد ومراكز الأبحاث)؛ فالمنظومة الأكاديميّة في كلِّ العالمِ قَدْ صارتْ رهينةَ التافهينَ! بَعْدَ أنْ استحوذتْ عليها التفاهةُ وأضحتْ تتحكّمُ بمداخلها ومخارجها. (وهذا ما جزم به الفيلسوف آلان دونو).
لَقَدْ تنحّى (المثقّفُ الواعي والعالمُ والأستاذُ الحصيفُ والباحثُ الأريبُ) لأسبابٍ عديدةٍ ليحلَّ محلّهُ (التّافهُ). ينبّئنا دونو أنَّ لبَّ المسألةِ يكمنُ هنا. وتشويهُ دورِ الأكاديميّةِ وانحرافها عن رسالتها ومهمّتها يتّضحُ بجلاءٍ في هذهِ (الثنائيّةِ) التي تبدو غيرَ ذاتِ أهميّةٍ؛ لكنّها هي التي تميطُ اللِّثامَ لنا عمّا يجري بدقّةٍ وعمقٍ وأمانةٍ. فـ(المثقّفُ الواعي والعالمُ والأستاذُ الحصيفُ والباحثُ الأريبُ) يضعُ نصبَ عينيهِ الحقَّ والحقيقةَ ويزنُ الأمورَ بوازعٍ من ضميرهِ قبلَ إطلاقِ أحكامهِ؛ لذلكَ فإنّه لا يمكنُ أنْ يدعَ لأيِّ ترغيبٍ أو ترهيبٍ أنْ يؤثّرَ في كلمتهِ. وهو يقولُ هذهِ الكلمةَ بحريّةٍ وهدفٍ بما يقتضيه ضميرهُ العلميّ ومناقبهُ الأكاديميّةُ. فالإغراءاتُ والضغوطاتُ ليستْ لها أيُّ وزنٍ في عرفِهِ. إنَّ الأكاديميّةَ بوجودِ (أمثالِ المثقّفينَ الواعينَ والحكماءِ والعلماءِ والأساتذةِ الحصيفينَ والباحثينَ الأريبينَ) تؤدّي على أكملِ وجهٍ ما يُنتظرُ منها من خدماتٍ جليلةٍ للناسِ والمجتمعِ. وفي الجهةِ المقابلةِ مِنَ الميدانِ الأكاديميّ؛ نجدُ (التّافهَ) وهو يبيعُ كلمتهُ وضميرهُ خدمةً لمصالحهِ الخاصّةِ الضيّقةِ؛ على حسابِ الحقِّ والحقيقةِ؛ وإعلاءً لصالحِ الذين يرتبطُ بهم بمصالحَ ذاتيّةً! فـ(التّافهُ) مستعدٌّ أنْ يكيّفَ ويحوّرَ ويؤقلمَ ويزوّرَ ويدلّسَ… خدمةً للفئاتِ التي تحتكرُ السلطةَ والمالَ والنفوذَ؛ فهو على استعدادٍ تامٍّ للخداعِ وتضليلِ الرأي العامِّ مستخدمًا في سبيلِ ذلكَ ما يحظى بهِ من مكانةٍ واحترامٍ بنظرِ عامّةِ النّاسِ. وهكذا يجري تتفيهُ الأكاديميّةِ وإفراغها مِنْ محتواها العالي؛ حتّى صارتِ السيادةُ للسّخافةِ والسّفاهةِ؛ إذْ كانَ مِنَ المُفترضِ أنْ تسودَ الحكمةُ والعلمُ والحقُّ والأخلاقُ. وَلَمْ يعدْ مِنَ المهمِّ أنْ يكونَ المرءُ مبدعًا وموهوبًا ليتسنّى له الصعودُ إلى الدّرجاتِ الأكاديميّةِ. فالمهمُّ أنَّ يؤدّي “اللعبةَ” ويتقنُ فنونَ التملّقِ والتزلّفِ والاحتيالِ والرضوخِ لنظامِ التفاهةِ. ولسائلٍ يسألُ: لمصلحةِ مَنْ تحدثُ هذهِ الجائحةُ الأكاديميّةُ؟ الجواب (من وجهة نظر دونو): أنَّ كلَّ ما يحصلُ مِنْ تفاهةٍ هو في خدمةِ ذوي الملياراتِ والنّفوذِ مِنَ الممسكينَ بزمامِ السّلطةِ والحُكمِ. فالأكاديميّةُ؛ اليومَ؛ قَدْ خضعتْ لقانونِ الجهلِ. والعلمُ أضحى خادمًا ذليلًا لدى التافهينَ.