الاثنين - 22 ابريل 2024

مفاهيم قرآنية – ٢٦ – توحيد الله وتوحيد عبادته والاستعانة به

الشيخ جاسم الجشعمي ||

 

قال تعالى
( الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين اياك نعبد واياك نستعين ) ( سورة التوحيد الآية ١ – ٥ )
هذه السورة المباركة تناولت توحيد الله وتوحيد صفاته وتوحيدعبادته والاستعانة به حيث قال الله تعالى في القرآن الكريم
( الحمدلله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين )’ابتدأت السورة بالحمدوالثناء لله تعالى والحمد والثناء يختص الله تعالى وحده لأنه هو الواهب الحقيقي للنعم على الانسان فهو الوحيد استحقاقاً للحمد والثناء ,ثم تتناول القرآن ربوبية الله تعالى للعالمين والربوبية هي المالكية للعالمين والله هو المالك للموجودات وهو المربي والمهتم والمراعي لشؤونها فالله هو المالك والانسان المستخلف والمتصرف في مال الله هو مالك اعتباري واستخلافي وليس حقيقي .
ثم تناول القرآن صفتين مهمتين من صفات الله المختصان به وهو الرحمن والرحيم وصفة الرحمن شاملة للمؤمنين والكافرين وصفة الرحيم تختص بالمؤمنين كما جاء في التفاسير ومنه الفقيه المفسر الشيخ مكارم ( تفسير مختصر الامثل ج١ ص ١٢)
فهذه الآيات اكدت على توحيد الله وتوحيد مالكيته وصفاته . ثم انتقل القرآن الى ابرز مصداق من مصاديق مالكية الله وهو مالكيته ليوم الدين الذي هو يوم الجزاء والحساب في يوم القيامة . وسبب بروز مالكية الله في يوم القيامة هو انتهاء مالكية الانسان الاعتبارية والمجازية يوم القيامة وتكون مالكية الله الحقيقية هي البارزة . وحتى الشفاعة تكون بامر الله والى ذلك اشار القرآن الكريم في قول الله عزوجل ( يوم لاتملك نفسٌ لنفس شيئاً والامر يومئذٍ لله ) ( سورة الانفطار ١٩ ) . فالانسان بغروره قد يتوهم في الدنيا انه هو المالك الحقيقي للاموال التي وهبها الله تعالى اياه واستخلفه عليها ليتصرف ضمن حدود الله تعالى ولكنه عند المحشر ويوم القيامة سيتيقن انه لم يكن المالك الحقيقي . وهذا هو البروز الحقيقي لمالكية
الله للوجود ، ولذلك كان التاكيد على على مالكية الله للوجود يوم القيامة . الله تعالى هو مالك قبل القيامة وبعدها ولكن تتجلى مالكيته للانسان الغافل والمغرور يوم القيامة بوضوح عندما يقف الانسان امام الله مجرداً من كل شئ ، من امواله ومناصبه وبيوته واولاده وكل اعتباراته الدنيوية ، ويبقى مرهونا باعماله ( يوم لاينفع مالٌ ولابنون الا من اتى الله بقلب سليم ) فيدرك حقيقة مالكية ويتحسر ان كان مقصرا في الدنيا في تصرفه في اموال الله .
ثم انتقلت السورة الى توحيد عبادة الله وتوحيد الافعال ، والاستعانة مثالا لذلك ( اياك نعبد واياك نستعين ). فاياك نعبد هو اقرار من العبد بان الله هو الوحيد المستحق واللائق بالعبادة والطاعة والخضوع والتأليه والتسليم له . وغير الله لايستحق ولايليق ان يعبده الانسان ويخضع ويستسلم له . فاي نوع من العبودية لغير الله هو خروج عن توحيد العبادة وعن العبودية الصادقة والمخلصة لله تعالى . واياك نستعين هو مثال لتوحيد الافعال . والاستعانة تعني ان يعتقد الانسان ان الله هو المسبب الحقيقي للامور وغيره وسائل لله تعالى وتأتمر بأمر منه .
السؤال الذي يطرح نفسه ماهو الارتباط بين توحيد الله وتوحيدصفاته ومالكيته وبين توحيد العبادة وتوحيدالافعال والاستعانة ؟
والجواب هو ان هنالك ارتباط وثيقا بين توحيد الله وتوحيد مالكيته وصفاته وبين توحيد الله في العبادة والافعال . حيث ان الذي يؤمن باليقين والاذعان ان الله هوالواهب والمالك الحقيقي للوجود وهو المستحق الوحيد للحمد والثناء يوحد الله في عبادته ويوحده في افعاله واستعانته به لانه عند ايمانه باليقين المطلق ان بان الله هو مالك كل شيئ وهو المالك للدنيا والآخرة والمستحق حصرا للثناء والحمد سوف يشعر ويؤمن باحقية الله حصرا للعبادة وعندما يؤمن بأن
الله هو المؤثر الحقيقي حصرا على الامور سيتعين بالله . فعندئذٍ يقول بصدق واخلاص وايمان ( اياك نعبد واياك نستعين ) . وحالات التفاعل مع اياك نعبد واياك نستعين متفاوتة حسب درجة الايمان بالله وبمالكيته وكونه هو الواهب والمستحق للثناء والعبادة والاستعانة . واكثر الحالات قرباً لله تعالى عند اياك نعبد واياك نستعين هو حالات الانبياء والاوصياء . حيث كان الامام علي عليه السلام ينسجم مع هذه الآيات في الصلاة ولايحس معها بشيئ آخر غير الله . وكان اصحابه يداوون جرحه عندما كان يصلي وهكذا كان باقي الائمة عليهم السلام ، والامام المهدي يكرر في صلاة النافلة ( اياك نعبد واياك نستعين مئة مرة في كما روي عنه .