الاثنين - 22 ابريل 2024

اهم الاسباب لانسحاب شركات النفط الأجنبية من العراق

منذ شهرين

علي عزيز الزبيدي ||

يعتمد الاقتصاد العراقي بالدرجة الاولي على تصدير النفط وهو اقتصاد يعتبر ريعي ومستقبلًا سيدخل ألغاز الطبيعي الى جانب النفط الخام
اهم النقاط على خلفيات وأسباب انسحاب شركات النفط الأجنبية من العراق وتزامنًا مع انسحاب شركة شل العالمية من مشروع النبراس للصناعات الكيماوية، دون إعلان الحكومة للتفاصيل والأسباب.
‏وكانت عودة الشركات النفطية الكبرى وتحديدًا الغربية إلى العراق هي الحدث الأكبر بعد تغيير النظام في عام 2003 (سياسيًا واقتصاديًا)، خصوصًا بعد غيابها لقرابة 3 عقود منذ تأميم النفط في عام 1972، إذ وقّعت هذه الشركات أكثر من 45 مذكرة تفاهم مع الحكومة الاتحادية لدراسة حقول النفط والغاز، توجت فيما بعد بجولات التراخيص وتحديدًا الجولتان الأولى والثانية اللتان كان مقررًا لهما تحقيق سقف إنتاج يتجاوز حاجز الـ12 مليون برميل نفط يوميا
قبلت الشركات العالمية -حينها- بالعقود المعيارية التي وضعتها وزارة النفط بشروط عقود الخدمة طويلة الأمد، بهامش ربح محدود، دون اعتماد صيغة عقود الشراكة والمخاطرة، على أمل التزام الجانب العراقي ببرنامج الإصلاح الاقتصادي والإداري الذي يُنهي البيروقراطية المُعَطِّلة للمشروعات، فضلًا عن الإصلاحات السياسية والتشريعية الضامنة لاستمرار الاستثمارات العملاقة واستتباب الأمن والسلم الأهلي وتوزيع الثروات بعدالة.
لكن كل هذا تعثر تحقيقه، بل فاقم تباطؤ العمل الحكومي والتسويف من الأزمة، وكذلك التغيير المتكرر والسريع للقيادات مختلفة التوجه على إدارة قطاع الطاقة، في غياب وحدة الرؤية وعدم تقدير الطبقة السياسية لأهمية حضور الشركات العالمية، ما دفع بهذه الأخيرة إلى التفكير الجدي بالانسحاب التدريجي من العراق، على مستوى المشروعات الاتحادية، وكذلك مشروعات النفط والغاز في إقليم كردستان واختلاف بغداد مع أربيل بتشريع قانون النفط والغاز الذي طالما كان كان مثار خلاف بين الاقليم والمركز
‏عودة الشركات الأوروبية والأميركية لم يُحافَظ عليها بصورة صحيحة، ولم تُقدّر آمال وطموحات تلك الشركات الاستثمارية لضمان شراكة طويلة الأمد، تكون الضامن لأمن الطاقة وتسريع عجلة إعادة الإعمار وديمومة التوسع التجاري والاقتصادي التي تصب في الدعم السياسي للبلاد.
سياسات الطاقة في العراق
إن استمرار التخبط في سياسات الطاقة في العراق وغياب القيادة الواعية، دفع بشركات مثل إكسون موبيل وشيفرون إلى الانسحاب من مشروعات الحكومة الاتحادية، وكذلك استثماراتها في إقليم كردستان العراق، وانسحاب شركة شل العالمية (متعددة الجنسيات) من 3 مشروعات عملاقة (غرب القرنة 1، ومجنون، والنبراس) من أصل 4 مشروعات، في حين أن استثماراتها في شركة غاز البصرة متلكئة لقرابة عقد من الزمن، إذ رُحّل إنجازها في وقف حرق الغاز حتى عام 2030، هذا في حال استمرت بالعمل في العراق.
وكذلك الحال بالنسبة إلى انسحاب شركة النفط البريطانية بي بي بصفتها مشغلًا رئيسًا لحقل الرميلة، والاقتصار بملكية أسهمها في شركة البصرة للطاقة المحدودة، بعد إعادة هيكلة حضورها التجاري في العراق.

كما لا ننسى فشل شراكة بيكتل وهانيويل الأميركيتين في التوصل إلى اتفاق مع الحكومة العراقية لتسريع تطوير مشروعات الغاز.
‏هذه الانسحابات وغيرها تركت الساحة فارغة للشركات الروسية والصينية وهي الشركات ذاتها التي دخلت إلى السوق النفطية العراقية بصورة سريعة ومثيرة للجدل قُبيل انهيار النظام البائد.
‏في المحصلة، تسيطر شركات النفط والغاز الروسية الخاضعة للعقوبات الدولية وشركات النفط الصينية على معظم العقود النفطية في العراق، وهذا جعل مستقبل بغداد اقتصاديًا مرهونًا بمستقبل الاقتصاديْن الروسي والصيني.
‏ومما زاد الطين بلّة، توجه القوى السياسية المنضوية تحت قبة البرلمان العراقي بالدفع نحو اعتماد بيع النفط العراقي بعملات غير الدولار الأميركي، وهي التوجهات الفاشلة ذاتها التي اعتمدها نظاما صدام والقذافي، والتي كانت عاملًا من عوامل انهيارهما.
يأتي هذا فضلًا عن انحسار نشاط القطاع المصرفي العراقي، ليقتصر على تعاملات نافذة العملة والمتاجرة بالدولار دون الامتثال إلى ضوابط الفيدرالي الأميركي، ما دفع بالخزانة الأميركية إلى فرض عقوبات على 26 مصرفًا وتعطيل الاقتصاد العراقي أكثر مما كان معطلًا.
‏كما لا ننسى تزاحم الجهات الرقابية (غير المختصة فنيًا واقتصاديًا) بالتدخل في عمل الجهات التنفيذية المختصة، بحجة مكافحة الفساد وسوء الإدارة، ما خلق حالة هلع لدى التنفيذيين في اتخاذ القرارات خوفًا من الملاحقات القانونية غير المنطقية التي تعثّرت بسببها مشروعات كبرى أثّرت سلبًا في الاقتصاد العراقي وغياب الخدمات، فضلًا عن خسارة العراق لعشرات المليارات من الدولارات سنويًا بسبب هذه السلوكيات البوليسية والمُسيّسة.
قانون النفط والغاز في العراق‏فوق كُل ما ذُكر، لم تُوَّفق الطبقة السياسية في الاتفاق على قانون اتحادي لإدارة النفط والغاز وتوزيع الثروات بعدالة استنادًا إلى دستور عام 2005، الضامن لوحدة العراق اتحاديًا وصيانة عقده الاجتماعي، كذلك استمرار شرذمة قطاع الطاقة في 3 وزارت (النفط، والكهرباء، والصناعة) دون وحدة قيادة ورؤية، في حين تعثر الملف الأمني محليًا وإقليميًا، إذ يشهد المستثمرون الكبار حوادث الاقتتال بين الفصائل المسلحة، بالإضافة إلى انتهاك السيادة العراقية من بعض دول الجوار بل وحتى من الجهة التي قادت عملية تغيير النظام ابتداءً، الولايات المتحدة.. كل هذه الأسباب وغيرها دفعت الشركات الكبرى إلى إعادة حساباتها.
‏ختامًا، وبعد مضي عقديْن من الزمن على تغيير النظام، فإن الشركات العالمية الأوروبية والأميركية النفطية تقرر مغادرة العراق تِباعًا وترفض العمل فيه.

هذه هي العلامة الفارقة وحجم الثقة في سِفر النظام الحالي والموديل الاقتصادي المُعتَمد والسياسات الحاكمة لإدارة الدولة.
‏ملف الطاقة معقد ويدخل في صميم إعادة إعمار الدولة العراقية، ولجعل العراق لاعبًا أساسيًا في أمن الطاقة العالمي.. هذا الملف بحاجة إلى قيادة ذات خبرة دولية تعي مسؤولية إدارة استثماراته وأسواقه؛ اقتصاديًا وعالميًا وجيوسياسيًا على المدى البعيد.