الأربعاء - 12 يونيو 2024
منذ 4 أشهر

كوثر العزاوي ||

كل شيء في الوجود مقدّر، ولامؤثر
فيه إلّا الله”عزوجل” كما أنّ لاتأثير لجميع التمهيدات الماديّة والعلمية والنفسية والبشرية في مشاريع الحياة من دون مشيئة الله تعالى وتسديده، من هنا نفهم، أنّ عوامل النصر ومقدماته من الأدوات والتجهيزات والقوی البشرية والإمكانات العسكرية قد تكون كلها متوفرة ومع ذلك لا تتحقق الغلبة وقد يُهزم الجند! وهذا مايدعونا إلى التأمّل في الحدث الكبير الذي تزامن مع ذكرى ميلاد بقية الله في الأرض “ارواحنا فداه” وهو يوم ولادة أمة الحشد المقدس من رحم “فتوى الجهاد الكفائي” في جمعة من جمعات شهر شعبان المعظم لمثل هذه الايام المباركة، وكيف قامت قيامة أُمّة الفتوى بفئاتها البشرية، ملبّية النداء بقلوب تسابقت نبضاتها قبل الأقدام، وهي تتهادى بروح عفوية، بكل طواعية تزاحم الجموع صوب وسائل النقل المتنوعة بلا تسليح ولاتدريب ولا أدنى تجهيز كتأمينٍ لمواجهةٍ شرسة تفوق حجم إمكانيات المتطوعين لخوض الحرب، سيما وانّ العدوّ أعدّ العدة من قبل وقد عاث في الارض والعِرض فسادا، فقتَّلَ البشر ودمّر وأحرق الحجر والشجر، حتى كاد يكون محالًا توقّع بارقة أمل بالنصر وفق الحسابات المادية، للحدّ الذي لم يعرف أحدٌ كم بقي من الوقت الذي يفصلنا عن سقوط بغداد بعد إحكام السيطرة على حدودها من قِبل دواعش الإجرام، وزحفِ خفافيش الظلام يتقدّم متوغلًا منتشيًا بمعية شيطانه وأذرعه القذرة في الداخل والخارج، غير انّ للغيب حساباته! إذ تجري الألطاف مددًا إلهيًا من حيث لاندري، وإذا بصوت وكيل نائب الحجة بالحق السيد السيستاني العظيم، يصدح عِبر فضاء روضة أبي الأحرار من صحنه الشريف ومن على منبر الجمعة ينطلق مدويًا، وعلى الملأ صادحًا مكبّرا معلنًا وجوب الدفاع عن الأرض والعرض والمُقدسات بأصدار”فتوى الجهاد الكفائي”، فكبّر الحضور الجماهيريّ الحسينيّ ملبيًا الدعوة هاتفًا نحو الفداء والتضحية بصرخة لبيك ياحسين، هارعًا تاركًا خلفه متاع الحياة الدنيا وزينتها، ليشكّل هذا الحدث الكبير نقطة تحوّلٍ مهمة في مسار الأحداث المعقدة آنذاك، وتغيير المعادلة على مستوى المنطقة بل العالم كله، ليتنسّم الناس بعدها عبير الحرية والأمان، أو عبق شرف الشهادة والجنان {..فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} الاحزاب٢٣- إنه الإخلاص وعفوية التوجّه! لندرك ويدرك العالم اليوم حقيقة “أنّ الأصل في النصر هو الله “عزوجل” ولا يُعزی نصر المؤمنين إلی عوامل المهارة الذاتية والخطط العسکرية والأسلحة وأعداد الجند أو حضور الملائکة فحسب، بل إنّ العامل الأصلي وراء ذلك النصر هو إرادة الله تعالی ومشيئته، وهو القائل عزوجل «ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ» الأنفال١٠
أجل! لقد كانت فتوى بحجم الحياة!، شباب تشابكت أياديهم وقلوبهم، وشيَبًا غير مبالين لحالهم، فحملوا الأرواح على الأكف، واتخذوا من الفتوى غاية للوصول، وشعارًا صدحت به الحناجر الغيورة صنعت منها سُمرُ السواعد ثقيل السلاح والمقاومة، لتبدأ الأمة فصلًا جديدا، وحكاية يعجز عن وصفها أبرع الأدباء!حكاية نصرٍ وشهادة وإخلاص وحريّ بكل غيور أن يستشعرَ هذه الذكرى على مرور الأيام، لتبقى خالدة في كل ضمير حيّ، مقرونة بأمة الحشد المقدس الذي بقيَ ومايزال يؤسس لمشروعٍ إلهيّ عقائديّ رغم تكالب الاعداء وتمنّي إقصاءه والقضاء عليه، لكنه لم يفتأ يمهّد لدولة العدل المقدسة المنتظَرة بعيدًا عن كل الماديات وحب الجاه ونَهَمِ المناصب وشَرهِ الصدارة! وستبقى راية الحشد خفاقة في سماء محور التمهيد، معفّرة بدماء الشُهداء ودموع الأمهات اللاتي قدّمنَ فلذات أكبادهن، وها قد مضى عَقد من الزمن على فتوى الدفاع والانتصار، ومازال حشد كبير من شرفاء العقيدة على العهد، رافض أي مساومة، شاهر سيف المقاومة وفاءًا لدماء الشهداء سيما قادة النصر، وعهدًا للمضي في طريق أبي الاحرار {وَاللُه يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ}آلِعمران١٣

١٦-شعبان المعظم١٤٤٥هج
٢٧-شباط-٢٠٢٥م